( من ذكريات الطفولة )
بقلمي د/علوي القاضي.
... وصلا بما سبق ، فإن الربيع في مصر رغم جمال أغانيه ورهافة أحاسيسه وروعة مشاعره فهو فصل (قاس فعلاً) ، فهو يعني عودة الذباب والبعوض وأتربة الخماسين والرمد فقد كان بعض زملائي يصابون بـ (الرمد الربيعي) ، وبالذات الأسر الفقيرة لضعف الرعاية الصحية لديهم ، على الجانب الٱخر نجد فصل الخريف أجمل بكثير ، لكن هناك ذلك الجو الهرموني العام الناجم عن رائحة أزهار البرتقال والحقول المحروثة وحبوب اللقاح التي تشعرنا أننا نحيا ونشعر ونتجاوب ونتفاعل مع الكون
... المشكلة أن هذا الفصل غير مناسب بالمرة لقصص الحب ، يحكي أحدنا أنه كان يقضي الربيع في هذا الجو المتقلب اللعين ، ذات مرة وقف في النافذة واكتشف فجأة أن بنت الجيران (جميلة) رغم أنها متواضعة جدا ، فيعمد إلى قطعة من (العلك) مغنيًا أغنية عبد الحليم (في يوم من الأيام كان لي قلب) ، ليفاجأ بيد أمه تجذبه بعنف قائلة له (عيب يا ولد !)
... ولم يقتصر الأمر على ذلك بل حينما كان يحاول الإستذكار ، يستحيل عليه التركيز وسط عيد الطبيعة هذا ، فقد إنصهر تحت تأثير هرموناته الذكورية ، رغم أن ظاهره غير ذلك ، فالكتاب في يده والصفحة مفتوحة على درس (كان وأخواتها) ولكنهن في عقله الباطن يتحولن إلى مجموعة حسناوات جالسات حوله في ثياب لا يمكن أن يرضى عنها استاذنا (ز . ش) ، وإذا حاول مذاكرة العلوم تحولت التجارب والأبخرة المتصاعدة منها إلى حرير أبيض وفستان فرح وبدلة وبابيون
... نفس الشيء وصفه العبقري صلاح جاهين ببراعة في أغنيته :
.. ليه بتحلوي يا دنيا في الوقت ده بالذات ؟!
.. ليه يا قلوبنا بدأتوا في الحب ودقدقتوا ؟!
.. يا ربيع هو ده وقته ؟! ، ده احنا ورانا شهادات
.. يا ربيع أضبط مواعيدك بقى وتعال في وقت سليم
.. ما هوكده لا حننفع في المعشقة ولا ننفع ف التعليم
.. وما حينوبناش غير المهزأه كلنا صبيان وبنات !
... هذه هي المشكلة ، إنفجار للعواطف في الربيع يؤدي للرسوب في أول الصيف وإعادة الإمتحان في ٱخره ! ، لكن الحياة تستمر
... وبينما أنا أتجه للدرس وقلبي يتواثب ، فقد كانت هناك فتيات معنا في مجموعة الدرس ، ومجموعة من الذكور ، تلك الفتيات تجلب سحناتهن الإستقامة للشيطان ، إلا فتاة منهن ، كانت رقيقة جدًا كأنها فراشة (وهي مصادفة غريبة) ، ولهذا قرر أحدنا أن يهيم بها حبًا ، بالطبع لم يكن حبًا بالمعنى الحقيقي ، بل هو حب فكرة (الحب) ، مايسمى بـ (حب المراهقة) ، والحاجة إلى تركيب عواطفه على أي واحدة تصلح ، وكانت صدمته فيما بعد ، حينما عرف أنها فتاة أحلام ثلاثة من زملاءه على الأقل ، من أجلها كتب أول قصيدة من الشعر المسمى بـ (الحلمنتيشي) ، تمتاز بالبساطة ، ومتواضعة في ألفاظها ونظمها ، ولكن كل حرف منها كان يزن في نفسه طنًا من العواطف
... وٱخر من أقرانه ، رسم لوحة جميلة لها ، وهي تجلس جلستها المميزة في إهتمام وتتابع شرح الدرس ! ، وكان أستاذنا (ز . ش) رحمه الله محنكًا ولماحا ، لذا كان يأمرها بالإنصراف قبلنا بعشر دقائق على الأقل ، فهناك حشد من الأوغاد الذين يعبث الربيع بهرموناتهم ، ولن يتركوا الفراشة الآدمية هذه في حالها ، هؤلاء الأوغاد يخرجون من بعدها ويرمقون الشارع الخالي تماما منها ويتبادلون السباب ، كانت أيام لم ولن تتكرر
... رحل عبد الحليم وفريد ، ورحلت سعاد حسني وصلاح جاهين ، ورحل أستاذي (ز . ش) ، وتفككت الفرق الموسيقية التي لحنت للربيع ، وشخنا أنا وزملائي ، وشاخ زميلي المحب ، ولكن أما زالت (الفراشة) محبوبته فراشة كما كانت ، وهل لاتزال بين الأحياء ؟! ، إنها اليوم في السابعة والستين (سن السعادة) ، ولربما هي من قبل كانت (مديرة مدرسة) أو (وكيلة وزارة) أو وزيرة ضخمة مرعبة وحادة الطبع ، فكلنا نتغير
... سينتهى الربيع ويأتي الصيف ثم الخريف ثم الشتاء ، وهذه سنة الله في كونه ، لكن ستأتي هناك أجيالاً جديدة لتجرب كارثة الربيع لأول مرة كما كنا
... وإلى لقاء في الجزء الثالث إن شاء الله
... تحياتي ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق