من ذكرياتي : د/علوي القاضي..
... قبل التحاقي بكلية الطب كنت ألاحظ، أن كل طبيب شاب يعمل في الوحدات الصحية في الريف ، يمر بفترة من الإضطراب ، وعدم الإستقرار ، ناجمة عن الصعوبات اللغوية في لهجة أهل الريف ، علاوة على فكرهم وثقافتهم الخاصة بهم وهذا مايواجهه يوميا أثناء التعامل مع المرضى وذويهم ، بالإضافة إلي قلة خبرته ، وإختراقه (الغير مقصود) حاجز العرف والتقاليد لأهلنا في الريف أحيانا
... وبعد التخرج والعمل في الوحدة الصحية أتذكر أن أول حالة قابلتها في الريف كانت طفلة لم تتجاوز السابعة ، وكان ما قمت به هو تطبيق ماتعلمته في طب الأطفال , وهو أنني طلبت من الطفلة أن ترقد على الشيزلونج ، وقمت بقياس طولها بـ (المازورة) , ماجعل الأم تقف علي باب الوحدة وراحت تولول (بيقيسوا بنتي بالمازورة ليه !) وزادت صدمتي ودهشتي واستغرابي وخشيت على نفسي من تهجمها ولكن لمعرفتي بطباع أهل الريف ماطمأنني بأنها قد تكون شعرت بأنني سأحسد الطفلة ، وكان هذا (أول) درس تعلمت منه ألا أستعمل هذه المازورة بعد ذلك
... قابلت حالة أخرى ، طفلة شاحبة الوجه عيناها غائرتان تعاني من الأنيميا الحادة فوصفت لها بعض المقويات وكانت النتيجة أنهم أتوا بها في اليوم التالي محمولة وقالوا لي أنها لم تتحمل تلك المقويات مع أنها العلاج الوحيد ، وأصابتها الدوخة والدوار وسقطت علي الأرض (مع نظرات شك تقول في صمت إنني طبيب نصف كم) ، ولم يتركوا للعلاج فرصة للتفاعل والنتيجة وهنا أيقنت أن أهل الريف يريدون الشفاء بمجرد كتابة الروشته وكان هذا هو الدرس (الثاني)
... وأراد الله أن يرضيني بطريقة لاأتوقعها , من تلك الطفلة الفقيرة الحافية التي قمت بخياطة جرح كبير في جبهتها ، وبعد الشفاء والتٱم الجرح ، ماجعلها تأتي بعد أسبوع إلي الوحدة الصحية حاملة قطعا من البطاطا المشوية وقدمتها لي وانصرفت ! ، تأملت البطاطا المشوية ، وتذكرت كلمات (برنارد شو) ، عن أن المرء قد ينال أعلي الأجور لكن من النادر أن يعطيه شخص كل ما يملك ، من الواضح أن هذا كل ماتملكه الطفلة ، ومعني ذلك أن هذا أعلي أجر نلته في حياتي ، إلتهمت قطع البطاطا في نهم وأعتقد أنها الألذ على الإطلاق في حياتي نظرا لقيمتها المعنوية
... أهل الريف يهتمون بالعقاقير ويحبون الأدوية جدا ، جاءتني فتاة شابة ٱنسة تعاني مشكلة إنقطاع الدورة الشهرية ، وبطنها تكبر ، وبالفحص إكتشفت أنها حامل وحدثت نفسي (لقد عبثت وكان عليها أن تدفع الثمن) طلبت مني أن أساعدها علي الخلاص من هذه الكارثة ، فرفضت طبعا ، فاتجهت للباب منهارة تجر أذيال الخيبة والندامة ، وقد أظلم الدنيا في وجهها ، لاتعرف كيف تخرج من هذا المأزق ولا من أين تبدأ الحياة ثانية ، فجأة استدارت لي قائلة : (ما تجيب حقنتين مضاد حنوي بـ (النون) بالمرة ) ، فهي تكره أن تكون زيارتها بلا منفعة ! ، هذا الموقف العجيب لايتناولة أي أديب ، فالواقع أكثر صراحة
... نعم بعد عدة سنوات في الريف ، تيقنت أن طب الأرياف علم معقد يختلف عن ماتعلمناه في الطب العادي ، فعلاقة طب الريف بالطب الذي درسته تشبه علاقة القطار بالأسفلت !
... وإلى لقاء في الجزء الثاني إن شاء الله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق