الثلاثاء، 6 مايو 2025

الحامول والهالوك «[1]»رؤيتي بقلم علوي القاضي..

«[1]» الحامول والهالوك «[1]»
رؤيتي : د/علوي القاضي..
... في مقدمة إبن خلدون :
... عندما تنهار الدول ، يكثر المنجمون ، والمتسولون ، والمنافقون ، والمدّعون ، والكتبة ، والقوّالون ، والمغنون النشاز ، والشعراء النظّامون ، والمتصعلكون ، وضاربو المندل ، وقارعو الطبول ، والمتفقهون ، والمتفيهقون ، وقارئوا الكفّ والطالع والنازل ، والمتسيّسون ، والمدّاحون والهجّائون ، وعابرو السبيل ، و (الإنتهازيون) ، تنكشف الأقنعة ويختلط مالا يختلط ، عندما تنهار الدول يسود الرعب ، ويلوذ الناس بالطوائف ، وتظهر العجائب ، وتعم الشائعات ، ويتحول الصديق إلى عدو ، والعدو إلى صديق ، ويعلو صوت الباطل ، ويخفتُ صوت الحق ، وتظهر على السطح وجوه مريبة ، وتختفي وجوه مؤنسة ، وتشح الأحلام ويموت الأمل ، وتزداد غربة العاقل ، وتضيع ملامح الوجوه ، ويصبح الإنتماء إلى القبيلة أشد التصاقا ً، وإلى الأوطان ضرباً من ضروب الهذيان ، ويضيع صوت الحكماء في ضجيج الخطباء ، والمزايدات على الإنتماء ، وعلى مفهوم القومية والوطنية والعقيدة وأصول الدين ، عندما تنهار الدول ، يتقاذف أهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة ، وتسري الشائعات عن هروب كبير ، وتحاك الدسائس والمؤامرات ، وتكثر النصائح من القاصي والداني ، وتطرح المبادرات من القريب والبعيد ، ويتدبر المقتدر أمر رحيله ، والغني أمر ثروته ، ويصبح الكل في حالة تأهب وإنتظار ، ويتحول الوضع إلى مشروعات مهاجرين ، ويتحول الوطن إلى محطة سفر ، والمراتع التي نعيش فيها إلى حقائب ، والبيوت إلى ذكريات ، والذكريات إلى حكايات
... لذلك فإن أزمات أمتنا العربية مُزمنة ، تحتاج إلى أطباء مهرة ، تكتب الدواء بعد تدقيق الفحص والتشخيص ، وتحتاج الوسطيّة ، وترفض الغُلو والتطرف ، وتُعيد شتات التديّن لكلمة سواء ، وقانون يُلوِّح بعصا التأديب ، لكل من يخدش طلاء الآدمية وحياء الإنسانية ، ومع غياب الطب يُفتي العطّارون وتسوء حالة الخُدّج والسُّذج ، وترهّل الفكر الوسطي ، يفسح المجال لتسلق (الهالوك والحامول) فيفسُد المحصول وتتناطح الفلول ، ورفع القانون يده عن المُجرم ، ومُلاحقة المُحرِم ، يُربك حركة الشارع ، ويكشف ستر الجامع ، ويُؤصّل للفوضى وأدبيات الحمقى ، وهياج الدبابير يُسقط هيبة الدُّوّار ، وتتحمل البردعة ماأفسده الحمار 
... ويأتينا من غير إستئذان أشخاص محسوبون على الثقافة ، ينشرون بإسم السخافة ، ويهيلون التراب على النقاب ، ويطعنون في السّلف ، ويُهمشون قدر الخلف ، ويعجز القلم أن يخرج عن السياق ، ويفضح من (وقّع) ومن (طبّع) ، ومن (تنطّع) في ورفع الآذان ، ومن إصطفّ بالأمس لـ (التفويض) ، واستعصى اليوم على (الترويض)
... قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ، قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ، قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب) ، فبقَدر يقينك بالله تعالى ، وتوكلك عليه ، وثقتك فيه ، وفيما عنده ، يكون رزقك ، فإنَّ اللَّهَ تَعَالَى ساق الرزق لمَرْيَمَ ، لقوةِ إيمانها بالله ، وعظيمِ ثقتها به ، وكمال توكلها عليه ، نعم (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ ، تَغْدُو خِمَاصًا ، وَتَرُوحُ بِطَانًا) ، وآفةُ كثير مِنَ النَّاسِ التعلقُ الزائد بالأسبابِ ، والركونُ إليها ، مع الغفلة عن التوكل على الله
... هؤلاء هم (المتسلقون) ! فكثير من الناس ، من هم يعرفون الحقيقة ، لكنهم تكتموا عليها ، وذلك كونهم سعوا إلى الكسب ، والمزيد من الكسب ، حتى ولو كان هذا الكسب على دماء الآخرين ! وإذا كان هناك من يدّعون أنهم أهل للصراحة ، فإنهم لايعلنونها ، إلا بين أنفسهم فقط ، ولايُريدون إعلانها على الملأ ، كي لاتأخذهم عاصفة من يَعْلِفونَهم ، وليِبقونهم على الطاعة والولاء ! ، وهم كثيرون ، الذين لاحيلة لهم ، ولا إرادة تمنعهم من الخنوع والطاعة العمياء ، فيرضخون لما هم فيه من واقع فُرضَ عليهم ، لكن هذا بملء إرادتهم الضعيفة ، فأصبحوا كعبيدٍ لغيرهم من شذاذ الآفاق ، هؤلاء هم (المنتفعون)
... وإلى لقاء في الجزء الثاني
... تحياتي ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الإنسان والوجود بقلم طارق غريب

الإنسان والوجود طارق غريب يكتب : الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بأن يكون موجوداً، بل يتعثر بسؤال الوجود نفسه. الحجر موجود ولا يسأل ،...