ستونَ بيتٍ من الشعرْ أبرحتني
بكاءٌ و نوحْ و عشرةُ الحزنِ بالقوافيا
و إني ما كنتُ بركبِ القافيةِ يوماً
إنما القهرُ قد ساقني بالوحي راضيا
فلا البحتري و لا المتنبي قد دعانيا
لكن وجعٌ بالقلبْ وحدهُ كانَ كافيا
لي هناك من الوحي حرفٌ يعاندني
حروفٍ تعصرني بالوغى هي المناديا
خمسينَ عامٍ و الأذى تناصرُ لعنتي
تئنُ بأثقالِ الهمومِ مضرجاً بمهانيا
خنجرٌ و قد أذاقني بطعنُ السنينِ
حتى حسبتُ بأني مدمنٌ بجراحيا
تهجرتُ من الديارِ وأنا بالهمِ مقيدٌ
و جرحُ ذكرايَ يركضُ من ورائيا
تهجرتُ بدمعتي لأرضِ الغرباءِ
فكان للعمرِ أحزانٌ بمرِ الآسى باليا
و رحتُ أشقُ بمهالكٍ بقفرتي
دموعٍ قد تبارحتْ من ورائي مُعانِيا
فتوراتْ من دروبي نورٌ تهتُ ورائها
ضائعٌ غريبْ رحتُ أبحثُ عن دروبيا
و كلُ أشيائي تركتها تلملمُ وجعاً
صورُ أمواتي و آيةُ الخلودِ الحانيا
تركتُ شمسَ بلادي بحرقتها ذابلةٌ
جلساتُ الصحبةِ بالمساء مع رفاقيا
غربتي ما كنتُ يوماً أُباركها بديني
لكنْ شأتْ الأقدارُ بمرها بعِقابيا
قلتُ بعضُ الأيامِ هي و سنعودُ
سننجو بيومٍ تكونُ فيها الشمسُ راقيا
مضيتُ و نارُ الحسرةِ تجرُني ألماً
حتى تغمدَ البصرُ بقهرُ الدموعِ باكيا
و أوهمتُ نفسي بأني راجعٌ لذاتي
غداً ستشرقُ السماءُ في بلدي صافيا
فعجبي عليكَ يا أيها الزمانُ كيف
تعدُ بالخيباتِ و تحيا بذلِ سواديا
هجرتها و كلُ الذكرياتِ تئنُ بها
لعبُ الأمسِ و أوقاتُ الطفولةِ الباديا
حارتي و ضحكتي و لمةُ الجيرانِ
شغبي بالمدرسةِ بظلِ جدارنها العاليا
و الغسقُ مادارَ لقرب جفني منامهُ
حجرٌ و خِصامُ المنامِ بجفني داريا
وقد دارَ الظلامُ يعاشرني بألفُ عمرٍ
و القنا حمرٌ الدلائلِ بنكرانها الواهيا
نواقصٌ تباركها الدنيا فتهدُ بأوصالي
بجمرها و الأيامُ عني تمضي ساهيا
فمالهُ هذا العمرُ بكلِ حينٍ يبكي
و السنينُ بكربِ العصيبِ تغلبني نائيا
فكم من مرٍ ستغدو بحالي بركبها
و كم بذلِ الدهرِ ستسقطُ مقاميا
تباعدنا عن الديارِ و الروحُ فيها
بقيت تبحثُ عن بقايا أرواحٍ غاليا
قفرٌ كوكبي و عالمي هي أضرحةٌ
و سودٌ أيامي دارتْ ببحرُ الكراهيا
فنلتُ من مهانةُ العمرِ وجعُ الهلاكِ
و الوجعُ راحَ يقلدُ ذاتهُ بكلِ مكانيا
لي هناكَ ركنٌ بكلِ جحيمٍ من أزلٍ
قبرٍ راحَ يضيقُ بصدري بكلِ زاويا
فأغمدُ بروحي بين أنيابُ الوحدةِ
طائرٌ مذبوح بلعنتي مُقيدٌ بوثاقيا
فلا الصبحُ قد أشرقَ من بعدَ وداعي
ولا الليلُ قد فارقني و حررَ صباحيا
يا دارُ لا تغلقِ علينا أبوَابكِ كلها
فربما تلكَ الأرواحُ تعودُ لنا راجيا
أهي الغربةُ من تشقى بألمِ دموعي
أم بحقدِ الأقدارِ كهلتُ فضاعَ شبابيا
فوللهِ قد تسابقتْ كلَ دعواتُ الصلاةِ
و رحتُ ببابِ اللهِ أبكي بقلبٍ خاشيا
كتبتُ على جدرانَ غربتي يا الله
لعلي أُريحُ قلبي من الهمِ بدعائيا
قلتُ لنفسي من هدني بقتلي و نهى
فردَ أنايا عليَ من عجبٍ من أنانيا
و النفسُ تهوي ببؤسها كلما نئتْ حجراً
فضلتْ بشرودها تعنُ بموتها بالبراريا
فلا دارٌ لي ليحتويني من الشتاتِ
و لا دربُ سفري كانَ من الأمانيا
أناجي بصلاةُ الحزنِ بألفِ كسرةٍ
و أعوي بوجهِ الآلهةِ تعبٌ بشكاَويا
و كأنَ الأزمنةُ تشاطرني بهزيمتي
تشدني بألفِ جدارٍ و ترنو قاسيا
فجئتُ من كسرتي أعاتبُ قدري
من سافروا بروحُ القلبِ دونَ وداعيا
كانوا بالأمسِ ضيوفَ داري بلمتهمْ
كالغبار تناثروا مني بالدمعةِ الساريا
إلى أين صاروا و كلُ الدروبِ قاحلةٌ
بموتها تنازعُ روحي بفراقهم و فؤاديا
قهرٌ قد أطاحَ بقلبي بذبحهِ و دنا
و قوافلُ السنينِ تمضي بالمآتمِ جاريا
فأدنو متقلباً من ضربِ السيوفِ
كأسرابِ السهامِ تأتي من الدنانيا
تغتالني و ذبحها بجسدي خضرٌ
و كأنها بأرضُ الذبحِ لا تَرى سوائيا
فلو كانَ بيني و بين الحياةِ مودةٌ
مادارتْ المآسي بالعمر و مرها راسيا
و يدُ القتلةِ طويلةٌ بقتليَ فكلما تمردتْ
يناطحني كفرٌ وكفرٌ يكبرُ بدارِ عِدائيا
بالأمسِ كانت ليَ بعضُ منَ الأيامٍ
و اليومُ أشحدُ منها بعضٌ من بقائيا
ها أنا ضريحٌ ألملمُ بغربتي أكفاني
أسلو مدمناً بأوجاعي و أسقطُ بفنائيا
حيناً يكسرني الضجرُ شغباً و حيناً
نحترقُ مع الذكرياتِ للثرى سواسيا
حتى تضرعتُ بكؤوسِ السقمِ حنظلٌ
فهدني مذاقهُ و كم بمر العلقمِ مذاقيا
إن كانتْ في الحياةِ كفرٌ فهي علتي
تفجعني القراببنُ فتغدو بالبلاءِ راويا
فكم نهمتُ من مقلِ الزمانَ بكارثتي
فأدمنتُ باليقينِ بأنَ سمائي هي الجانيا
فيا أيها العمرُ فلا تخشع من ثراكَ
فكلُ الأيامُ من قبلكَ قد ماتتْ ناجيا
فمالكَ تهربُ مني بتلكَ الروحْ مثقلٌ
مالكَ تغرقُ بحزنِ الأوجاعِ بالسواقيا
و هذا الدهرُ إلى متى سيرهقني
كالجحيمِ راح يحرقُ بدروبي بأيامِيا
و كلما إقتربتُ من الحياةُ تباعدتْ
و راحت تقسو عليَ بالطعنِ ببلائيا
فتمضي بالموحشاتِ و كأنها حجرٌ
فلا يشرقُ فجرٌ من نوافذُ سمائيا
أأحملُ نعشي بيوم الردى لثرى
أم أسقطُ بالأحزانِ من النكباتِ مُدانيا
فمالي ألومّ بحظيَ و الأقدارُ سودٌ
فلا شفاعةٌ بحالي لا نجاةٌ بمساعيا
قسمتي أن أكونَ كالغريب بمدافني
الهو بجراحاتٍ بالقلبِ و هي باقيا
فلا العدلٌ أنا أبصرهُ بطولِ السنينِ
و لا السماءُ دراتْ بجراحي مُداويا
يقولون لي فلا تمتْ و هم يدفنونني
كيفْ وكل الدروبُ تحملُ روحيَ الفانيا
فلو كنت بقليلٍ من العمرِ أحظى بهِ
لقلتُ لا تبكي يا أيتها الروحُ بوداعيا
مصطفى محمد كبار
ابن حنيفة العفريني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق