العالم العربي و الإسلامي .. لماذا أصبح أرضًا خصبة للابتزاز؟
"من أراد أن ينشر الحقيقة فذاك ومن أراد فذلكتها ففي السماء مملكة.."
من يستطيع من أنكار أننا أصبحنا نعيش حركة واقعية حرجة الى حد الغثيان؟ وهذا يتم في لحظات متتالية إلى حد الغثيان ففي لحظة تاريخية حرجة، يقف العالم العربي والإسلامي مكرهين عند مفترق طرقٍ مأزوم بل مخنوف كما نصعد به الى السماء، واقع تتنازعه تناقضات الداخل وتضغَط عليه استراتيجيات الخارج. أكيد عشنا هذا منذ حقب زمنية قلنا أنها مجرد زوبعة في فنجان، لكن اليوم شيء آخر لا يحتمل ولا يصدقه عقل بشر كائنا من كان، ولعلّ من أبرز معالم هذه المرحلة هو عندما تدرك بالعين المجردة ما يُشبه التواطؤ العالمي، مدججا بجبروت الانسان القوي وبالقاب يواجه بالإنسان المغلوب على أمره سيما اذا كان من طين العربي والمسلم فهما معا يعتبران مجرد دودة رائدة يجب استئصالها بكل ما اوتي المستقوى من جبروت وطغيان، والحال أن هذه العينة من البشر لم يعد يحق لها أن تعيش في حياة يعتبرون فيها من الزوائد التي يجب أن تشذب وتستقرئ عسى يهان العالم ومن يقطنه من خيرة البشر؛ وهذه مفارقة إنسانية غير مسبوقة قياسا لباقي الحروب الإنسانية السابقة التي فرضت على العالم نوعا من تطبيق حرب الابادة ـ أو على أقل تقديم ما يصطلح عليه جورا وبهتانا: قل الهيمنة المتوارية ؛ نقصد بالطبع حالتي تمارسها الدول المتقدمة تجاه هذه الرقعة الحضارية، لتجعل منها بيئة قابلة للابتزاز، اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا. والسؤال الكبير: لماذا؟ وكيف؟ وبهذه الوقاحة المبتذلة في ظل حضور ما يسمى بالمجتمع الحقوقي ولو بشكل يندى له الجبين حين تطلع على خباياه، تماما كثل ما تطل على الهاوية.
أولًا: القابلية للاستضعاف
ليست الدول المتقدمة من صنعت الضعف الداخلي، لكنها بالتأكيد من استغلّه وأعاد إنتاجه بما يخدم مصالحها. فالنزاعات المزمنة، وانعدام الاستقرار، واستشراء الفساد، وتفتّت الوحدة المجتمعية، كلها عوامل محلية جعلت من العالم العربي والإسلامي كتلة من "الفرص" الاستراتيجية للقوى الكبرى. فالأنظمة السياسية، في كثير من الأحيان، غير منتخبة ديمقراطيًا، ومجتمعاتها تُدار بعقلية أمنية تُقدِّم الولاء على الكفاءة، وتخشى النقد أكثر مما تخشى الجهل، ما يجعلها مستعدّة دومًا للمقايضة على السيادة مقابل البقاء. ترى وفي آخر المطاف من أوصلنا الى هذا الواقع الإنساني وما هو بإنساني؟
أكسيد أن هذا العالم ملك للجميع كما ورد في الكتب السماوية دون تجن على أحد؛ فمن جعل ثروات هذا العالم تنتقل ونجوم في السماء تنظر ولا تسعف إلى كائنات دون غيره؟ فتصبح في حل من السيادة، اللهم إلا إذا كان يفهم بالسيادة ما لا نفهمه نحن، ذلك تغليط وتمويه واستعراء لحقيقة تتحكم فيبها سيرورة الحياة، فالأرض ليس لمن يحرثها فقط بل هي ملك لولدان الخالق ولا يمكن نزعها منهم اغتصابا وجورا والا سنكون قذ خرجنا عن شرع الخالق عز وجل، وكفرنا كفرا مبينا والعاقبة للمتقين. فمن يستطيع ان يزعم أن النفط والنفوذ ثنائية خارجة عن حقوق المواطنين والأرض كما زعموا لها؟ لتصبح مثل هذه الموارد ناهيك عن غيرها في ملكية يعتبرون أنفسهم اوصياء على باقي البشر ولهذا يحق لهو امتلاك كها نصيبا وتعصيبا وعلي باقي الشعب أن يشرب البحار كيفما شاء وحيثما شاء؟
أما حين نكون في ضيافة علمية داخل وخارج الوطن نشعر بنوع من التقزز وسلخ الجلد حين يشار لنا بالبنان على أننا معشر العرب سيما عرب الخليج ناهيك العالم العربي والإسلامي نمتلك نسبة ضخمة من الاحتياطيات العالمية للنفط والغاز، إلى جانب موقع جيوسياسي استراتيجي يربط القارات الثلاث. ومع ذلك، فإن هذه الثروات تحوّلت إلى أدوات ابتزاز لا إلى أدوات تنمية، هذا بالضبط ما يجعلنا نختلس النظرات الحرى تجاه بعضنا البعض ونحن نملك الحقيقة المضمرة ولا نستطيع الكلام ببنت شفة. أجل نعلم أن نخبنا السياسية المواطئة مع النخب التي تظهر وتختفي لأنها تمثل حقا الدولة العميقة وهو مصطلح أصبح يربك المواطن نظرا لما له من سلط تأتي عللا باقي السلط التي لا تلعب الا لعبة " الكومبارس"؛ وفي هذا الصدد بالذات تصفعنا حقيقة فشل النخب الحاكمة في تحويل العائدات إلى مشاريع تنموية حقيقية. وفي عالم السياسي والاقتصاد يعتبر هذا الخلل البنيوي فاتحا الباب واسعًا أمام الدول المتقدمة لتفرض شروطها، فصارت كل أزمة داخلية أو خارجية تمرّ عبر بوابة "رضى الغرب"، وتمرّ عبر القواعد العسكرية والمعونات المشروطة وصفقات السلاح. ونكون في آخر المطاف كمن " كمن يملك كل شيء ولا يملك في الحقيقة أي شيء"
لعل مشكلتنا في العالم العربي والإسلامي على غرار باقي شعوب ودول العالم أننا غالبا ما نستكين إلا لشرعية ضيقة لا تجعلنا نعيش أو نحاول أن نعيش في بحبوعة الشرعية الدولية مما يسهل على بقية العالم يفعل بنا ما يشاء والحال أننا لم نسلك الطريق المعبد نحن الالتحاق بعالم يحضر نفسه في كل الواجهات لتكون له المكانة اللائقة به،
وهكذا فإن معظم الأنظمة العربية والإسلامية لا تستند في بقائنا الى شرعية شعبية، بينما الأم ولأنجع أن تكون منخرطة شكلا ومضمونا وهكذا تخرج من معظم الأنظمة، أي نعم تخرج مباشرة الى الاحترافية السياسية الدولية، وذلك الطريق الصحيح الذي يعبد الطريق الى نوع من احترام الذات واحترام ذات من سبقونا الى النزعة الاحترافية وفي جميع الميادين. وحبينها ستقوم الدول الكبرى بالاعتراف المهم في وقتنا هذا، حيث أن اعتراف الغربال وهذا ما يصطلح عليه ب «شرعية دولية" تقوم على اعتراف الغرب ودعمه السياسي والاقتصادي. وهنا يتجلّى الابتزاز بأوضح صوره: إذ تُفرض على هذه الدول شروطٌ مقابل الحماية، أو التغاضي عن خروقات حقوق الإنسان، أو القبول بصفقات تجارية غير متكافئة، أو دعم مواقف جيوسياسية تخدم القوى الكبرى (كما في التصويت في الأمم المتحدة، أو المواقف من القضايا الدولية الحساسة). ونتذر حين طالب مرارا المرحوم له الغرب بانضمامه ألي معترك الغرب على اعتبار أننا لا يفصلنا عليه 14 كيلو، ممثلا المغرب بشجرة فروعها في اروبا وجذورها في افريقيا، حيث أخذت الفكرة قرابة سنين دراسة فلسفته الت ليست في صالح المغرب فقط بل في صالح الغرب نفسه ناهيك عن افريقيا، والجميع يعرف اليوم أن المغرب أصبح بوابة كبرى نحو اروبا والحاصنة لها، بل أصبحت حصانة اروبا هذه لا تمر ال من المغرب، ولابد للأروبا طال الزمن أم قصر أن تتخذ المغرب امتدادا له على جميع المستويان.
الإرهاب ذي الوجه العربي: بلادة.
لعل ما يسمى بالإرهاب مصطلحا يلوح به البعض شذر مضر، غالبا ما ينطق مما رأيناه في دراستنا لهذا الوضع الذي نزل علينا من حيث ندري أو لا ندري، ولكن في آخر المقال وجد مرتعه في واقعنا ولم نتسكع تأصيله ومن واقعنا والحال أنه استشفى كما تفع النار في الهشيم.
يعلم الجميع أن هذا المفهوم المقزز والذي يتجلى في الإرهاب والذي ضرب بعض مناطق العالم العربي والإسلامي ـ مجرد أحد الأدوات التي استُغلت لتبرير التدخلات الأجنبية علما أن لكل استعمار كائنا ما كان سبب نزول لاستعمار أي دولة كانت سيما حين تشتد الأزمات وتضيق السياسات، ويعلن الإفلاس، وتفتح أبواب الاختراق دون حسيب أورقيب، ولهذا عندما تبين لعقيدة الاستعمار أن العالم العربي والإسلامي أصبحت بؤرة للقلق الأمني العالمي بمقاييس الغرب المستعمر طبعا، قيل للدول المتقدمة التي كانت تنتظر على أحر من الجمر: الآن لك الحق المطلق في التدخل العكسي بمخابراتك وديبلوماسياتك تحت سبب "تحت ذريعة" التطرف بمفهومه المطلق، وما نحن في الغرب إلا حماة الأوطان المغلوبة على أمرها، ولعلنا في كل هذا سنحاول صيانه هذه الدول لثروا تهات التي قد يعبث بها من قبل المتطرفين والحال أن الدولة أصبحت غائبة لا تفكر إلا في كراسي حكامه، وتتوسل إلينا التدخل السريع فيكون تدحلنا ومن باب الإنسانية استجابة شرطية تفيد الدول المغلوبة على أمرها.
الاعلام مع اختراق النخب
مع تطور التكنولوجيا وبشكل يفوق قوة البشر صان هذه التكنولوجيا ذاته بدأنا نتساءل: من يجب أن يخاف الآن؟ التكنولوجيا أم صاعها، أي أن الصانع عذا يخاف مما صنع، وهذه مشيئة ربانية جعلتنا في حيرة من أمرنا والحال أن المعادلات غدت مقلوبة على رأسها في زمن هو الأخر لو تكلم لقال ما لم يقله الأوائل: وهكذا لم يعد الابتزاز مقتصرا على الحكومات فقط وهذا ما كنا نؤمن به بلادة، لنراه بأم أعيننا موجها وبدقة متناهية موجها نحو اختراق النخب المثقفة والإعلامية على حد سواء، نظرا لما يمثلانه في زمن يجب أن نجتث منه الغربة والتغريب، والدائرة تدون؛ لست لأدري كيف وبأي قوة، ولا لأي مقصدية تبقى مجهولة إلا عند أصحابها طبعا. فبرامج التمويل مثلا ومراكز البحث حتى، ناهيك عن الدعم المعتاد منذ سنين، غدت وبوقاحة ولا تردد تُستخدم لتوجيه الخطاب العام نحو قضايا تهمّ الغرب أكثر مما تهمّ شعوب هذه الدول. وفي هذا الإطار من يستطيع أن يقنعنا كمثقفين وباحثين ومتلقين وقد تمّت "تدجين" بعض النخب لتصير أدوات في مشروع إعادة تشكيل الوعي، بما يخدم السياسات الخارجية للدول المتقدمة، ويُفرغ مشروع النهضة العربي والإسلامي من مضمونه. وفي هذا الصدد أقنعوني رحمكم بالله بحكمة طالما رددها الأوائل:
ترى من فعل هذا بجماجمنا، من.. من...؟
وأول وأخيرا، أسألكم عن مشروعنا الحضاري؛ ترى في نظركم من غيبه؟
فحين تضيع منا البوصلة ونحن ندرك أننا في حل غير مسبوق من عدم امتلاك أمة من أممنا مشروعا واضحا، ألا تصبح هذه المادة المسمومة ونحن نقبض عليها بكلتا اليدين رخوة وهجينة وصابونية بيد الآخرين وأقصد بالطبع من له الاستطاعة على ترويضنا مثلما تروض الحيوانات كائنا من كانت؟ وهل يشفع لنا اتساع العالم العربي والإسلامي، أمهر من يفتح لنا بوابة الجنون؟
فكيف بنا لا نمتلك مشروع او نصف مشروع شخصي أن نحلم كباقي الأمم ببلورة
مشروع جماعي عسانا نخرج لا قدر الله من التبعية، لا اقتصاديًا ولا ثقافيًا ولا سياسيًا. ولعل من الضحك الباكي أنه كانت هناك بعض التجارب القومية أو الإسلامية التي ظهرت في القرن العشرين، فإنها ومن باب الحتمية، إما قُمعت خارجيًا أو انهارت ذاتيًا، فصار العالم العربي منطقة فارغة استراتيجيًا، جاهزة لأن يُعاد تشكيلها وفق خرائط الخارج...
ترى هل مخرج لأمة ضاع منها المجداف والملاح؟
كلنا يعرف ولا يمكن له أن ينكر حقيقة نصبح عليها كما نمسي على أن الابتزاز ليس قدرًا مقدرا، فنحن من يصنع الآلة الفتاكة التي نغتال بها في كل وقت وحين، والابتزاز نتيجة نسير اليها بعينين مفتوحتين كل وقت وحين، فقط علينا ألا نترجمها ونؤملها حسب هوانا ونحن نعلم أننا السياف وفي نفس الوقت نمارس القتل والتقتيل على المتهم وما همنا إن كان بريئا؟ ولا يخامرني شك في أن الخروج من دائرة الابتزاز يتطلب منا وبسرعة فائقة التفكير وبجدية في إعادة بناء الداخل على أسسٍ ديمقراطية، واستثمار الثروات في التنمية لا في استرضاء الخارج، ومن ثم بناء مشروع حضاري مستقل ومع الأسف الشديد نحن في حل منه، وكما يجب علينا إعادة الاعتبار للثقافة والإنسان، بعيدًا عن الخضوع لمنطق القوة العمياء. ولعلنا جميعا عرفنا حقيقة بل رأيناها بالعين المجرة مفادها:
فالعالم المتقدم لن يحترم من لا يحترم نفسه، ولن يعترف بحقوق من لا يقف ليطالب بها..
الدكتور عبد السلام فزازي جامعي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق