في رحلة الإسراء من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بفلسطين ، كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يركب على البُراق خلف جبريل عليه السلام ، وفي الطريق أطلع الله عزّ وجل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم على صُورة قوم يُعذبون في النار يوم القيامة ، صُورة لمشهد حي من مشاهد العذاب في يوم القيامة ، قوم تُقرض شِفاههم بمقارض من نار كما تُقرض الشِفاة في الدنيا بمقارض الحديد أي مقصات الحديد ، فيا تُري ما هي المعصية التي فعلوها حتى تُقرض الشفتان لكل واحد منهم ؟.
كُل واحد منهم كان في الدنيا يأمر الناس بالمعروف أي يأمر الناس بكل خير يدعو إليه الإسلام حسب عِلمه وقدرته لكن لا يفعل هو المعروف الذي يأمر به الناس ، وكان ينهي الناس عن كل مُنكر والمُنكر هو كل شيء ذمه الإسلام أو حرمه حسب عِلمه وقدرته لكن لا ينتهي هو عن المنكر الذي نهي الناس عنه.
إذن هو إنسان يقول ما لا يفعل ، إذن هو إنسان كالحمار يحمل على ظهره كُتباً لا يفهم ما فيها ، لذا كان عِقابه قرض الشفتان اللتان يخرج منهما الكلام الذي لم يستفد منه ، روي الإمام أحمد واللفظ له وأبويعلي والبزار من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَرَرتُ ليلةَ أُسريَ بي على قومٍ تُقرَضُ شِفاهُهم بمَقاريضَ مِن نارٍ، قلتُ: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء خُطباءُ مِن أهلِ الدُّنيا، كانوا يَأمُرونَ النَّاسَ بالبِرِّ، ويَنسَوْنَ أنفُسَهم وهُم يَتلونَ الكِتابَ، أفلا يَعقِلون؟ ) . وفي رواية أخري: ( مررْتُ ليلةَ أُسرِيَ بي بأقوامٍ تُقرضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ من نارٍ ، قُلْتُ : من هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال : خُطَباءُ أمتِكَ الذينَ يقولونَ ما لا يفعلونَ ويقرؤونَ كتابَ اللهِ ولا يعملونَ بِه ).
أحب الأعمال إلى الله عزّ وجل أن يُوافق قول الإنسان فِعله ؛ لأن مُطابقة القول للفعل دليل على صدق الإيمان ، روي الإمام الترمذي والحاكم وصححه من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رضي الله عنه قَالَ : قَعَدْنَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَذَاكَرْنَا فَقُلْنَا لَوْ نَعْلَمُ أَيَّ الْأَعْمَالِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ لَعَمِلْنَاهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ).
إن الذي يقول ما لا يفعل تندلق أقتابه أي تخرج أمعائه من داخل بطنه وتسقط على أرض نار جهنم ويدور في نار جهنم وهو يجر أمعائه كما يجر الحمار الرحي التي تطحن الحبوب ، وهنا يراه من أهل النار الذين كانوا يعرفونه في الدنيا بأنه خطيبهم وواعظهم ويسألونه ما الذي جاء بك إلى النار مِثلنا فيقول: كُنْتُ آمُرُكُمْ بالمَعروفِ ولَا آتِيهِ، وأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وآتِيهِ ، روي الإمام البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: يُجَاءُ بالرَّجُلِ يَومَ القِيَامَةِ فيُلْقَى في النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أقْتَابُهُ في النَّارِ، فَيَدُورُ كما يَدُورُ الحِمَارُ برَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أهْلُ النَّارِ عليه فيَقولونَ: أيْ فُلَانُ، ما شَأْنُكَ؟ أليسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بالمَعروفِ وتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟! قالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بالمَعروفِ ولَا آتِيهِ، وأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وآتِيهِ ) .
اللهم اجعلنا من أهل هذه الآية الكريمة: ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ( سورة الزمر ) .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق