الجمعة، 20 يونيو 2025

نماذج من جيل الصحابة الفريد بقلم عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات

نماذج من جيل الصحابة الفريد ( رضي الله عنهم ) وأرضاهم .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام علي خاتم الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم ) أما بعد ، عباد الله : ــــ_
إن جيل الصحابة الكرام جيل فريد من نوعه ، اصطفاهم الله ( عز وجل ) لصُحبة رسوله محمد ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، اصطفاهم لكي يُؤمنوا به وتفيض قلوبهم بالإيمان ، وتُتُرجم جوارحهم مفهوم الدين الصحيح الصريح ، اصطفاهم لكي ينتشروا بهذا الدين شرقاً وغرباً ، ويملئوا الدنيا عِلماً وعملاً وعدلاً ، هاجر بعضهم إلي الحبشة فِراراً بدينه من أذي المشركين ، تاركين الديار والأوطان والأهل والجيران والأحبة والخِلان ، تركوا ذلك من أجل الحفاظ علي هويتهم الإيمانية ، هاجروا رجالاً ونساءً وأطفالاً ، وعادوا من الحبشة ، وهاجروا مرة أخري إلي المدينة المنورة ، فأصابوا أجر هجرتين ، وكان ممن هاجر إلي الحبشة ، جعفر بن أبي طالب بامرأته أسماء بنت عُميس ، وعثمان بن عفان بامرأته رُقية بنت رسول الله ( صلى الله عليه سلم ) ، وأبو سلمة بن عبد الأسد بامرأته أم سلمة بنت أبي أمية ؛ روي الإمام أحمد من حديث أَبِي مُوسَى قَالَ لَقِيَ عُمَرُ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ ( رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ) فَقَالَ : نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ ، لَوْلَا أَنَّكُمْ سَبَقْتُمْ بِالْهِجْرَةِ ، وَنَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ . قَالَتْ : كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُعَلِّمُ جَاهِلَكُمْ ، وَيَحْمِلُ رَاجِلَكُمْ ، وَفَرَرْنَا بِدِينِنَا . فَقَالَتْ : لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَدَخَلَتْ. فَذَكَرَتْ مَا قَالَ لَهَا عُمَرُ ( رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : ( بَلْ لَكُمْ الْهِجْرَةُ مَرَّتَيْنِ ، هِجْرَتُكُمْ إِلَى الْحَبَشَةِ ، وَهِجْرَتُكُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ ) . 
وضرب هؤلاء المهاجرون إلي الحبشة أروع الأمثلة في الخُلق والدين ، وعرض مبادئ الدين علي النجاشي ـــ ملك الحبشة ـــ الذي كان يدين بالنصرانية ، فأحبهم وأكرمهم ، وتوعد من يُؤذيهم بالهلاك والدمار ، و كانوا سبباً في اسلامه ، وعلم الحبيب ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بوفاته وهو في المدينة المنورة ، فصلي عليه صلاة الجنازة ، روي الشيخان من حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ الْحَبَشِ ، فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ ) . 
قَالَ : فَصَفَفْنَا ، فَصَلَّى النَّبِيُّ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) عَلَيْهِ ، وَنَحْنُ مَعَهُ صُفُوفٌ ) . 
وعند الإمام أحمد من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ النَّجَاشِيِّ . قَالَ : ( صَلُّوا عَلَى أَخٍ لَكُمْ مَاتَ بِغَيْرِ بِلَادِكُمْ ) قَالَ : فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَأَصْحَابُهُ . قَالَ جَابِرٌ : فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ. قَالَ : وَكَانَ اسْمُهُ أَصْحَمَةَ ) . 
هؤلاء الصحابة العِظام كانوا دُعاة إلي الله بعِلمهم وسلوكهم وأخلاقهم ، فهيا بنا أن نقتدي بهم .
ومن الصحابة الكرام من تحمل الأذى بمكة وهاجر منها إلي المدينة المنورة ، تاركاً عِياله وأهله ، آخذنا كل ما يملك من أجل أن يُعين به رسول الله ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ؛ روي الإمام أحمد من حديث أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) قَالَتْ : لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ، احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ كُلَّهُ ، مَعَهُ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ . قَالَتْ : وَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ . قَالَتْ : فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدِّي أَبُو قُحَافَةَ ، وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ . فَقَالَ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ؟. قَالَتْ: قُلْتُ :كَلَّا يَا أَبَتِ ، إِنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا . قَالَتْ : فَأَخَذْتُ أَحْجَارًا فَتَرَكْتُهَا ، فَوَضَعْتُهَا فِي كُوَّةِ الْبَيْتِ ، كَانَ أَبِي يَضَعُ فِيهَا مَالَهُ ، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا ، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَتِ ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا الْمَالِ. قَالَتْ : فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ . فَقَالَ : لَا بَأْسَ ، إِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا ، فَقَدْ أَحْسَنَ . وَفِي هَذَا لَكُمْ بَلَاغٌ ، قَالَتْ : لَا وَاللَّهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا ، وَلَكِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُسْكِنَ الشَّيْخَ بِذَلِكَ ) . 
ومن الصحابة الكرام من تحمل الأذى بمكة وهاجر منها إلي المدينة المنورة ، تاركاً ما اقتناه من أموال كثيرة غنيمة للمشركين ، حتي يتركوه أن يُهاجر بنفسه وينجو بدينه ، روي الإمام الهيثمي في ( زوائد مسند الحارث ) من حديث سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : أَقْبَلَ صُهَيْبٌ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) مُهَاجِرًا إِلَى النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) ، فَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ ، وَانْتَثَلَ مَا فِي كِنَانَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلا ، وَأَيْمُ اللهِ ، لاَ تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِكُلِّ سَهْمٍ مَعِي فِي كِنَانَتِي ، ثُمَّ أَضْرِبَ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي مِنْهُ شَيْءٌ ، ثُمَّ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي وَقَيْنَتِي بِمَكَّةَ ، وَخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي . قَالُوا : نَعمْ . فَفَعَلَ .
 فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ( صلى الله عليه وسلم ) الْمَدِينَةَ ، قَالَ : رَبِحَ الْبَيْعَ أَبَا يَحْيَى ، رَبِحَ الْبَيْعَ أَبَا يَحْيَى . قَالَ : وَنَزَلَتْ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}[ البقرة :207] .
ومن الصحابة الكرام ، من باع حائط والحائط هو بُستان من النخيل به سِتمائة نخلة مُحاط بسور ، مُقابل نخلة واحدة في الجنة ، إنهم أناس أدركوا حقيقة الجنة قبل أن يدخلوها ، فهانت عليهم الدنيا بمفاتنها ؛ روي الإمام أحمد من حديث أَنَسٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِفُلَانٍ نَخْلَةً ، وَأَنَا أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا ، فَأْمُرْهُ أَنْ يُعْطِيَنِي ، حَتَّى أُقِيمَ حَائِطِي بِهَا . فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : ( أَعْطِهَا إِيَّاهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ ) فَأَبَى ، فَأَتَاهُ أَبُو الدَّحْدَاح، فَقَالَ : بِعْنِي نَخْلَتَكَ ، بِحَائِطِي . فَفَعَلَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ ابْتَعْتُ النَّخْلَةَ بِحَائِطِي . قَالَ : فَاجْعَلْهَا لَهُ ، فَقَدْ أَعْطَيْتُكَهَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : ( كَمْ مِنْ عَذْقٍ رَاحَ ، لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ ) قَالَهَا مِرَارًا . قَالَ : فَأَتَى امْرَأَتَهُ ، فَقَالَ: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ اخْرُجِي مِنْ الْحَائِطِ ، فَإِنِّي قَدْ بِعْتُهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ . فَقَالَتْ : رَبِحَ الْبَيْعُ أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا ) 
فلذلك أمرنا الحبيب ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) باحترامهم واجلالهم ومعرفة قدرهم ومكانتهم ، والاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم ، وعدم التعرض لهم بأدني أذى ، فلو أنفق واحداً منا الآن مِثل جبل أُحد ذهباً ، وهذا شيء مُحال ، فلن يملك واحداً الآن مِثل جبل أُحد ذهب ، وحتي ولو حدث لا يعادل هذا الإنفاق الكبير في الأجر والثواب مثل ملئ مُدَّ أحدهم ، والمُدَّ : حفنة باليدين ، روي الإمام مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ) .
 اللهم ارزقنا حُب الصحابة الكرام والاقتداء بهديهم .
بقلم . د / عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الإنسان والوجود بقلم طارق غريب

الإنسان والوجود طارق غريب يكتب : الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بأن يكون موجوداً، بل يتعثر بسؤال الوجود نفسه. الحجر موجود ولا يسأل ،...