السبت، 14 يونيو 2025

إياك والحَلُوب بقلم عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات

إياك والحَلُوب .
مشهد من المشاهد النبوية مليئ بالدورس العملية في حياتنا اليومية .
ذات يوم من الأيام يخرج سيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من منزله من ألم الجوع حيث لا يوجد طعام في منزله ، خرج الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الشارع فوجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد أخرجهم ألم الجوع .
لا يوجد على ظهر الأرض أفضل من هؤلاء الثلاثة وقد مرت بهم الظروف المعيشية القاسية ، نحن الآن لسنا بأفضل منهم ، وعندما نُعاني بعض ما عانوه يجب ألا نتهم أنفسنا بالضلال أو نظن أن الله قد غضب علينا ولكنها سُنة الله في عباده ، فتارة في الغني وتارة في الفقر وأُخري بين هذا وذاك.
خرج الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وصاحباه يلتمسون الطعام والشراب عند أحد الأغنياء من المسلمين ، فوصلوا إلى بيت مالك بن التيهان أبو الهيثم ، فقدم لهم عِذق نخيل أي سُباطة من ثمار النخيل تحتوي على البُسر وهي الثمار المُلونة التي لم تصل إلى مرحلة النُضج الكامل ، والرُطب وهي ثمار النخيل التي نَضجت وصارت طرية والتمر وهي ثمار النخيل التي نَضجت وصارت جافة، وهذا يدل على سخاء وجُود وكرم الضيافة عند أبي الهيثم ، إذا قدم ثمرة النخيل بأصنافها الثلاثة المُحببة عند الآكلين حتى ينال كل واحد مُراده ، فمن يُحب البُسر وجد ما يشتهيه ، ومن يُحب الرُطب وجد ما يشتهيه ، ومن يُحب التمر وجد ما يشتهيه .
وبالغ أبو الهيثم في كرم الضيافة فأخذ المُدية أي السكين ليذبح لهم شاة ، فقال له الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : إياك والحَلُوب ، وهذا بيت القَصيد ، فهو تعليم له ولنا أن نُحافظ على الموارد المُنتجة لتُعطي لنا أفضل المكاسب ، فالشاة الحلوب مصدر استثماري جيد فهي تُنتج الحليب وتُرضع أولادها الصغار واختُبر إنتاجُها دون غيرها ، ففي ذبحها ضياع لفوائد عديدة. 
إذن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يُعلم البشرية أصلاً من أصول الإستثمار الذي يُعظم الإنتاج والأرباح وهو : ألا يُفرط المستثمر في الأصول المُنتجة التي تم اختبار جودتها العالية .
روي الإمام مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟. قَالَا : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ : وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا قُومُوا فَقَامُوا مَعَهُ ، فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْنَ فُلَانٌ ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنْ الْمَاءِ ، إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي ، قَالَ : فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ )، فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنْ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا ، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ ).
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في أمور الدين والدنيا والآخرة .
بقلم . د / عزام عبد الحميد أبو زيد فرحات .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الإنسان والوجود بقلم طارق غريب

الإنسان والوجود طارق غريب يكتب : الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بأن يكون موجوداً، بل يتعثر بسؤال الوجود نفسه. الحجر موجود ولا يسأل ،...