كلمات من خلف الشغاف إلى فرانشيسكا ألبانيز
"ليس بين الدّم والدمع مسافة..هذه غزة التي تتحدى..وهذا الوعي نقيض الخرافة" (مظفر النواب-بتصرف طفيف)
لأنك جاسرة جسورة..وتضحية بالمبادىء حد الشهادة..لهذه الأسباب ولأكثر منها أدانوك بكل عقوبات جهنم..
جرح مفتوح،وعدالة شائخة،وضمير إنسانيّ كسول وضرير..لا يفعل غير أن يعدّ حصيلة الخراب ويتأفّف من وفرة دماء الموتى!..وأيضا: ينتظر.
ضجرت ذاكرة التاريخ.ضجر الشهود.ضجرت الأسلحة والقوانين والمذاهب والسماوات،وضجرت أرواح الموتى..ولم تضجري أنت يا فرانشيسكا ألبانيز..
لكن-وحدها-شهوة القاتل إلى مزيد من الدم..لم تضجر ! الدّم يشحذ شهية الدّم.
قلت لا بملء الفم والعقل والقلب والدم،وأربكت صرختك قانون دولي أخرس..وضمير عالمي كفيف،وأزعجت حفاة الضمير..
يا فرانشيسكا ألبانيز :على شاشة الملأ الكوني،تترقرق الدّمعة الأكثر إيلاما وسطوعا في تاريخ صناعة العذاب،وتعلو صيحة الضمير الأعزل المعطوب،دون أن تُسمَع..!
ودائما: ثمة شهداء يسقطون..ودائما خلف القاتل،ثمة حلفاء وقضاة وجيوش..
وخلف الضحية..العماء والصّمت..وخلف العماء والصّمت..شعب يقيم أعراسه على حواف المقابر: أعراس مجلّلة بالسواد ومبلّلة بالنحيب..أعراس دم.
لكن.. يا فرانشيسكا..ثمة أمل ينبثق من دفقات الدّم ووضوح الموت..أمل يتمطى عبر التخوم..
وإذن؟
إذن،وحدك بإمكانك أن تحملي بين ضلوعك أملا وضّاء ينير عتمات الدروب أمامك..
ووحدك بإمكانك أن تقايضي سخط الجلاّد الحاقد بكلمة الأمل الغاضب..فقد علّمنا التاريخ-يا فرانشيسكا -أنّه في أحيان كثيرة يمكن للأمل الأعزل أن ينتصر على جنون القوّة المدرّعة..كما علّمنا كذلك،أنّ السفّاح-بما يريقه من دم-يحدّد الثمن النهائي لدمه.
لهذا يمكنك أن تذهبي بإنسانيتك الفذة من حافة الموت إلى حافة الحياة حيث سترين خلف دخان الجنون وجلبة القوّة:علمَ فلسطين وشمسها ونخيلها وبساتينها وسماءها..وتحت سمائها تلألأ الرنّة السخيّة لفرح الإنسان..
هناك،وعلى التخوم الفاصلة بين البسمة والدّمعة،ستعثرين على-فلسطين الصامدة-وقد هيّأت لك مقعدا مريحا ونافذة مفتوحة وسماء صافية وظلا ظليلا..ورغيفا لذيذا..وأنشودة نصر يرقص على ايقاعها أبطال ينشدون الحرية بجسارة من لا يهاب الموت..لتنزلي ضيفة على مائدتها..مائدة الشهداء..والشهداء الأحياء: مائدة التاريخ.
ونحن!
نحن الذين نخبئ في عيوننا عتمات الأحزان..نحن من المحيط إلى الخليج أمام البحر المتوسط،تنتصب أمامنا حاجبات الوميض،نقرأ أوجاعنا ونردّد كلمات لم نعد نعرف أن نكتبها..!
وأنتَ..يا "فرانشيسكا"الجاسرة-هل بوسعك منحنا قليلا من نبلك الإنساني،فالرّوح محض عذاب؟..
لكن من أين سيجد الصّبر طريقه إلى قلوب الحزانى والمعطوبين؟!
ومن أين سيسلك-المريد-دربه إلى محراب غزة؟
أيها الشامخة في مواقفك الإنسانية الفذة:أنا-كاتب هذه السطور-المقيم في الشمال الإفريقي،أنا الملتحف بمخمل الليل الجريح..أنا المتورّط بوجودي في زمن ملتهب..
أعرف أنّ الوجعَ في غزة ربانيّ،كما أعرف أيضا أنّ الفعل هناك رسوليّ،لكنّي لا أملك سوى الحبر،وما من حبر يرقى إلى منصة الدّم.وحتى حين يمور الدّم في جسدي باحثا عن مخرج،فإنّي لا أجد سوى الكتابة.
الكتابة عن الشيء تعادل حضوره في الزمن،ووجوده واستمراره في الحياة.ولأنّ الأمر كذلك فإنّي أصوغ هذه الكلمات علّها تصلك عبر شيفرات الحرية،أو لعلّها تصل إلى كل زنزانة محكمة الإغلاق،وإلى كل معتقل عالي الأسوار،وإلى كل منفى داخل الوطن أو وراء البحار.
وما عليك -أيّها الشامخة في مواقفك الجاسرة-إلا أن تحييّ-الثورة التونسية-التي ألهمت الشعوب العربية المعنى الحقيقي للحرية،ورسمت بحبر الروح على صفحات التاريخ دربا مضيئا يعرف آفاقه جيدا عظماء التاريخ وكل الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل أوطانهم من الأبطال والشهداء منذ فجر الإنسانية: صدام حسين،سبارتكوس،عمار بن ياسر،ياسر عرفات،عمر المختار،يوسف العظمة،شهدي عطية،الأيندي،غيفارا وديمتروف..وقد تجلّت في -ثورتنا الخالدة-كما في رفضنا الصارخ بطولة الإستشهاد وتجسّدت في مواقفنا الجاسرة آسمى أشكال الفعل الإنساني النبيل..
أقول إنّ الرأس تطأطأ أمام الموت من أجل الوطن،بل أنّ الرأس لتظل مرفوعة فخرا بشعب أعزل يؤمن بأنّ الشجرة إذا ما اقتلعت تفجرّت جذورها حياة جديدة،وتلك هي ملحمة الإنبعاث من رماد القهر وهي بإنتظار من يدخلها ذاكرة التاريخ عملا عظيما يشع منارة في المسيرة الظالمة التي تنشر ظلمتها قوى الشر في هذا العالم.
سلام هي فلسطين يا فرانشيسكا..إذ تقول وجودنا تقول وجودها الخاص حصرا..فلا هويّة لنا خارج فضائها..وهي مقامنا أنّى حللنا..وهي السّفر..
سلام هي فلسطين
محمد المحسن
*فرضت الولايات المتحدة،عقوبات على المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي،التي وثقت الإبادة الإسرائيلية للفلسطينيين بقطاع غزة في عدة تقارير،وطالبت بملاحقة الجهات والشخصيات الضالعة فيها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق