الأحد، 6 يوليو 2025

الصدمة بقلم ماهر اللطيف

 الصدمة


بقلم: ماهر اللطيف


أتذكر أني كنت في المنزل - ذات يوم من أيامي السالفة - أنتظر موعد صلاة المغرب، لأتوضأ وأذهب إلى مسجد الحي، وحيدا بعد أن خرجت زوجتي وأبنائي دون استشارتي - على غير عادتهم-، حين طُرق الباب الرئيسي للمنزل طرقا قويا  وعنيفا متتابعا، وسمعت صوتا خشنا يصرخ "افتح، افتح، افتح الباب يا وسيم، نحن نعلم أنك في الداخل، افتح وإلا سنخلعه"....


ارتعدت، خفت، تسمرت في مكاني، وأنا أذكر الله وأدعوه ليسترني ويكون معي - وهو كذلك في كل آن ومكان -، ينجيني من شر الطارق وصوته المخيف وما يكتنزه من مفاجآت وصدمات....


تقدمت خطوات إلى الأمام، وقد ركبت أصابع قدمي حتى لا يسمعني هذا الغريب، حبست أنفاسي وكتمت دقات قلبي، مسحت عرق جبيني، وقد شرع الأذان في إعلان حلول موعد الصلاة - وقد بعث في هذا النداء الطمأنينة، الراحة، السكينة، .... -.


أردت التراجع والذهاب إلى بيت الاستحمام للتهيئ للصلاة، لكنني خفت أن يخلع "هذا المخلوق" الباب، فسألت عن هويته، فأجابني "شرطة"، لم أتمالك نفسي وكدت أفقد وعيي، ما الذي فعلته؟ ما الذنب الذي اقترفته؟ ما جرمي، وأنا إنسان مسالم، من البيت إلى العمل أو إلى بيوت الله، ثم إلى البيت مجددا، لا أخالط الناس ولا أشاركهم النميمة والفتنة وغيرها؟ ....


فجأة، تضاعف الطرق والصياح، - يبدو أنه ليس وحيدا بما أن مواضع الطرق التي شعرت بها تكاد تغطي الباب بِرُمَّته - ،ازداد هلعي، تصببت عرقا، تزايدت دقات قلبي إلى أن كاد يخرج من مكانه، واصلت طلب عون الله، حاولت التماسك والتسلح بالشجاعة والتحدي والصبر، فتقدمت متوكلا على الله ، وفتحت الباب متظاهرًا بالثبات...


وما هي إلا ثوان، حتى دفعني شرطي بقوة نحو البهو إلى الداخل، صاح في وجهي مزمجرا "ألم تسمع طرقنا المتواصل منذ مدة؟ ألا تعلم ألّا وقت لنا لنهدره مع أمثالك؟ ... " - وقد زاد قلقي واضطرابي وتشنجي-، فطلب من عون آخر أن يقبض علي ويلبسني الأصفاد....


حينها، تشجعت - ولم أدر كيف فعلت ذلك حقا -، طلبت منه تمكيني من بعض الوقت للوضوء والصلاة وتغيير ملابسي، تردد، رفض في الأول، ثم سمح لي بذلك عن مضض، حسبما كنت أعتقد جازما، وقد طلب من أحدهم مرافقتي حيثما أوجد حتى لا أهرب.


وفي الحقيقة، فقد أنجزت تلك الأمور بسرعة، دون تركيز أو خشوع، دون وعي أو إدراك، ولم أتذكر كيف جهزت نفسي ووجدتني واقفا أمامهم - وكانوا أربعة أعوان شرطة -، باسطا يدي ليزيّنوها بتلك الأصفاد، قبل أن يصطحبوني إلى سيارتهم - والجيران يستمتعون بهذا المشهد، يؤلفون الحكايات والتهم وغيرها -، فإلى مخفر الشرطة، أين أدخلوني إلى زنزانة منفردة هناك ولم يخبرني أحد بتهمتي أو سبب جلبي إلى هنا.


وبعد ساعة تقريبا، فُتح باب الزنزانة ووقع اقتيادي إلى مكتب كُتب عليه "التحقيق العدلي" وتحتها بين قوسين "أمن دولة". فتوقفت في مكاني وقد شعرت أن دمى تجمد، جسدي تحلل، أنفاسي وُئدت، كياني اهتز، .... تساءلت ما الذنب الذي أوصلني إلى هنا: أمن دولة؟ يا إلهي ، مالي وهذه الأمور؟ من دبر لي هذه المكيدة؟


ما تزال الأسئلة تتزاحم في ذهني ، حين دفعني أحدهم إلى الداخل وهو يقول "تقدم بسرعة، لا تلتفت، لا تنبس ببنت شفة، لا تفعل شيئا حتى يأتي محاميك - مما زاد في توتري، عن أي محام يتحدث؟ من أنابه ومن سمح له بذلك؟ ما هي تهمتي؟-، اجلس هناك وانتظر (وقد فك أصفادي وأشار إلى مكان جلوسي)" ثم قفل الباب وخرج.


وصلني صوت أذان العشاء من هناك، ولازلت على وضوء، نزعت قميصي، بسطته على الأرض نحو القبلة، كبّرت، وشرعت في تأدية صلاة العشاء دون رهبة أو تردد بما أنني أقوم بواجبي مثل كل مسلم في هذا التوقيت المقدس.


 فُتح الباب مجددا ودخل عونان شديدا البنية والقوام، طويلان وعريضان، أنيقا الملبس والمظهر، جلسا في الطرف المقابل دون أن يلقيا التحية أو السلام، وشرعا في "استنطاقي"، تعرفا إلى هويتي، عنواني،عملي، حالتي الاجتماعية، قبل أن يسألاني عن الدولة، انتمائي الحزبي، موقفي من الرئيس، رئيس الوزراء، بقية الوزراء، وغيرها من الأمور السياسية، فأنكرت كل عَلاقة لي بمن ذكر وأعلمتهم أني غير منتم سياسيا، لا تهمني السياسة بقدر اهتمامي بتوفير لقمة العيش لي ولعائلتي في كنف القانون و المسموح به شرعا ودنيويا، وبقيا يسألان وأنا أنكر إلى ساعة متأخرة من الليل وقد أثقلني التعب، و وهن جسدي،تكاثرت الآلام وتناوشتني من كل جهة ...


فإذا بالباب يُفتح بقوة شديدة مجددا - ولم يبق في المركز غيرنا وبعض الموقوفين والعاملين هنا-، يدخل شخص مبتسما (شعرت كأن صاعقة كهربائية أصابتني حالما لمحته، فأنا أعرف هذا الشخص، من يكون يا ترى؟ حاولت التذكر عبر الغوص في كنش علاقاتي القديمة، لكنني لم أفلح في التعرف عليه.... وقد بدأ الألم يستعمر ركبتيّ وينمو بطريقة لا تطاق)، فيقف العونان ويقدمان له التحية وينحنيان احتراما وتقديرا، يسألهما عن مسار التحقيق، فيجيبان أنهما قد أشرفا على النهاية وانتزعا مني اعترافا عن طواعية....


فحاولت الوقوف ولم أستطع، بما أن الألم ازداد وسيطر على كامل أجزائي السفلى، فصحت ساخطا مع ذلك، معارضا ومستنكرا لما كنت أسمع...


فجلس الزائر بجانبي، أخذ من العونين أوراق البحث، أمرني أن أمضي على أقوالي، فرفضت إلى حين اطلاعي على كل حرف دُوّن، فاغتاظ بعد أن حملق في عيني بشراسة وحقد دفين - وقد بدأت أتذكر ملامح هذا الوجه، يبدو أنه عبد المجيد، رفيق دربي، صديقي، أخي، زميل دراستي في المرحلة الثانوية الذي انقطعت صلتي به منذ عقود طويلة -، مزّق الأوراق إربًا إربًا - والحاضران يقهقهان - ثم قال لي بعد أن ربت على شعري، قرصني بلين من خدي، قبّل جبيني :


- اشتقت إليك يا نصفي الضائع مني (وقد دمعت عيناه وضمني إليه بشدة)، بحثت عنك كثيرا طيلة هذه السنوات


- (مقاطعا وقد اشتد بي الألم حتى لم أقدر على تحمله) أ أنت عبد المجيد؟


- (باكيا) نعم، عُيّنت رئيسا لهذا المركز منذ شهرين، بحثت عنك في كل مكان، إلى أن اهتديت إلى مقر سكناك، نسّقت مع زوجتك وأولادك لنحتفل معًا بعيد ميلادك اليوم على طريقتنا الخاصة، بتخطيط وتنفيذ ذاتي فرضته عليهم وحرصت على التزام الصمت والسرية (يأمر عون من العونين، فيهرع إلى الباب ويفتحه، فتدخل زوجتي، أبنائي وبقية الحضور وهم يغنون "عيد ميلاد سعيد..." وهم محملين بالهدايا والحلويات والعطايا وما إليه....)، ألا تقم لتقبلني يا نصفي؟ ألم تفرح لملاقاتي بعد هذا الجفاء؟


فحاولت القيام مرارا وتكرارا، لكنني لم أقدر، صحت، بكيت، استنجدت،حاول الجميع إعانتي دون جدوى، فلم أعد أستطيع القيام، مما جعلهم يطلبون الإسعاف وقد انقلب المشهد من موكب فرح إلى موكب عزاء....


وبعد الكشف، الفحص، الصور،التحاليل، حصص التدليك وغيرها، تبين أنني أمسيت مقعدا، لا أقوى على حركة، وقد فارقتني الحياة التي كنت أعرفها من من جرّاءِ هذه الصدمة وهذا الاحتفال بعيد الميلاد "النحس، المشؤوم"، الذي بات من وقتها عيدا للبكاء والنحيب والندم على هذا الهزل الذي جعلني جمادا مثل الكرسي والطاولة وسائر محتويات أي منزل


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الإنسان والوجود بقلم طارق غريب

الإنسان والوجود طارق غريب يكتب : الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بأن يكون موجوداً، بل يتعثر بسؤال الوجود نفسه. الحجر موجود ولا يسأل ،...