الاثنين، 25 أغسطس 2025

فلسفة الصمت 6 بقلم علوي القاضي

فلسفة الصمت 6

     د / : علوي القاضي .

... أخرج البيهقي في الشعب بسندٍ ضعيفٍ ، وصحح أنه موقوفٌ من قول لقمان الحكيم ، حفظ الشيخ : ( عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الصمت حكمةٌ ، وقليلٌ فاعله ) 

... شرح الحديث : الصمت يعني : السكوت ، حكمة يعني : وضع للشيء في موضعه ، وقليل فاعله : قليل خبر مقدم ، وفاعله مبتدأ مؤخر يعني أن فاعله قليل ، ولا شك أن الصمت أسلم من الكلام ، لأن المتكلم بين أمرين : إما (مفيد) وإما (ضار) ، هذا هو الغالب ، لكن الصامت سالم ، فالصمت حكمة ، ولكن هذه كما قال المؤلف لا تصح عن النبي عليه الصلاة والسلام ، إنما هي من قول لقمان الحكيم أو غيره أيضاً ، ما ندري هل تصح عن لقمان أم لا ، لأن لقمان الحكيم ذكر الله عنه أشياء في سورة لقمان ، وأعلم أن كل ما ينقل عن الأمم السابقة إذا لم يكن في القرآن أو في صحيح السنة فإنه لا يقبل لأن الله تبارك وتعالى قال : (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) ، (لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) : إذن علم الأمم السابقة لابد أن يكون في القرآن أو في السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن لننظر في هذا الكلام هل الصمت حكمة في كل حال ؟! ، لا ، قد يكون الصمت سَفهاً ، بمعنى إذا رأى الإنسان منكراً هل نقول : اسكت ؟! ، لا ، بل نقول : تكلم ، لأن السكوت حينئذ سَفَه ، إذا سئل الإنسان عن مسألة علم يعلمها ويعرفها ، هل نقول أسكت ؟! ، لا ، نقول : السكوت هنا سفه وحرام أيضاً ، ( لأن من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار ) ، وعلى هذا فليس هذا القول على إطلاقه بل فيه تفصيل ، أما (قليل فاعله) : يعني : قليل من يسلك هذا السبيل وهو السكوت هذا صحيح ، أكثر الناس يحبون الكلام ويتكلمون ، حتى إنك تجد المسألة توضع أو تطرح ويتكلم عنها من ليس من أهل الكلام فيها ، ربما يجي إنسان يقول : والله ماذا تقول في رجل صلى وهو آكل لحم إبلٍ جاهلاً ؟! ، وفي طلبة علم وفي عوام قال لك العامي : ما يضر هذا ما يخالف ، الله يقول في محكم كتابه العظيم يقول : (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ، شوف عامي وعنده طلبة علم هذا نقول : الصمت في حقه حكمة والكلام سفه، لكن قليل من يفعل هذا ، أي أن كثيراً من الناس يتكلمون في موضع لا ينبغي أن يتكلموا فيه

... واستكمالا للمعنى (الصمت حكمة وقليل فاعله) ، تعني أن الصمت بحد ذاته فضيلة عظيمة وركن أساسي من أركان الحكمة والإتزان ، لكن القليل من الناس فقط من يتحلّى به ويتمرّن عليه ، بخلاف أهل الثرثرة والكلام الكثير ، فالصمت يمنح المتفكر فرصة لتدبر الأمور بعمق ، وإدراك الحقيقة من الداخل ، كما أن قلة الكلام تحفظ ماء وجه المتحدث ، وتبعده عن عواقب وخيمة ، وتمنحه هيبة ووقارًا في النفوس ، (الصمت حكمة) : يشير هذا الجزء إلى أن الصمت ليس مجرد غياب للكلام ، بل هو ممارسة واعية تتطلب حكمة وتفكرًا عميقًا ، إنه فن لا يعرفه إلا الحكماء ، وهو يمثل فرصة للتأمل والغوص في الذات (وقليل فاعله) : يؤكد هذا الجزء على ندرة من يتقن فن الصمت ويطبقه في حياته اليومية ، فغالبية الناس يفضلون الكلام الكثير ويقعون فريسة له ، مما يفقدهم فرصة التمعن والتأمل

... لذلك يتميز الصمت بأنه يعمل على تنمية الفكر والوعي بأن يجعل صاحبه يتدبر الأمور بعمق ويفهم الحقائق من الداخل ، والحفاظ على الهيبة والوقار ، فالكلمات القليلة قد تزيد من هيبة المتحدث ووقاره ، كذلك النجاة من الأخطاء ، فالكلام الكثير قد يُضعف صاحبه أو يوقعه في مواقف محرجة أو عواقب وخيمة بالإضافة إلى تعزيز القدرة على السمع ، لأنه كلما زاد هدوء الشخص وقل كلامه ، زادت قدرته على الإستماع وفهم الآخرين ، كما يؤدي إلى تطوير الذات لأنه ضروري للتأمل والقراءة والنوم الصحي ، وكلها عادات أساسية لتطوير الذات

... الخلاصة ، الصمت هو لغة الحكماء وفن العظماء ، وهو طريق للرقي الروحي والفهم العميق للحياة، وندرة ممارسيه تؤكد قيمته وفضله الكبير 

... تحياتي ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

إذا أعطتكَ الدنيا فرحاً بقلم محمد السيد حبيب

إذا أعطتكَ الدنيا فرحاً إذا أعطتكَ الدُّنيا فَرحاً   فلا تَغترَّ.. فالدُّنيا دُولْ يَدورُ الدَّهرُ ما بينَ الوَرى   فيومٌ صَفوٌ.. ويومٌ وَحَ...