الثلاثاء، 9 سبتمبر 2025

واغضض من صوتك..!! «(1)»بقلم علوي القاضي

«(1)» واغضض من صوتك..!! «(1)»
          د/علوي القاضي .
... (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) ، الآية الكريمة ، تأمر المسلم أن يسير بتؤدة ووقار ، لا بتسرع أو تبختر ، وأن يخفض صوته في الحديث ، مشبهاً (الجهر المفرط) في الصوت بالقبح وصوت الحمير
... وأنا بطبيعتي أمقت الصوت العالي ، ومن المؤسف أننا محاطون بأشخاص يتميزون بأصواتهم العالية
... الصوت العالي ليس من صفات الإنسانية ، فقد تعاملت مع أصدقاء من مختلف الجنسيات فترة عملي بسفارة الكويت ، ووجدت معظمهم أكثر هدوء وصوتهم خفيض ، حتى في لحظات الإنفعال  
... وهناك من البشر من يتعمدون الصوت العالي   
... لا أنسى في طفولتي البائعين المتجولين حينما كانوا ينادون على بضاعتهم بصوتهم الجهوري مما يسبب فزعي من نومي في القيلولة ، ولا أنسى ذلك الرجل الذي كان يسير بالشوارع ويتغنى بالتواشيح لينبه النائمين بقرب أذان الفجر بصوته الجهوري  
... صباح اليوم أفقت من نومي في السادسة صباحاً على صوت رجل يصرخ في الشارع ، فلما دققت السمع فهمت أنه يسر صديقه بقصة (بعد عودتهم من صلاة الفجر) وهو يكرر ، (هذا الكلام بيننا يا أحمد ، لا أحد يعرف هذا السر) ، أعتقد أنه يقصد أي أحد خارج شارعنا طبعاً ، لأن كل سكان الشارع صحوا من نومهم ليتابعوا هذه القصة 
... حاولت أن أعود للنوم ، لولا أن صحوت على صوت الطلبة فشارعنا يمتلئ بمراكز الدروس الخصوصية ، وبالأخص الطالبة التي تحدث زميلتها أنها تحب (صلاح) ولكنها تستغل (حسن) ، وتؤكد عليها ، (لا تخبري أحداً بهذا يا مني)
... أوشكت على النوم لبضع لحظات ثم صحوت على صوت ٱخر ، رجل يخبر صديقه بتفاصيل سرية (قضية) ينوي رفعها على ٱخر ويؤكد عليه (لو عرف بها لاستعد لها ، أرجو أن يظل هذا الموضوع بيننا) ، مالي أنا وهذه المهاترات أريد نوما هادئا 
... وفي المواصلات دائما هناك كذلك من يحكي لصاحبه نكتة بصوت عال ، وهو مصر على أن كل ركاب الأتوبيس تسمع النكتة  
... هناك كذلك هواة الصراخ في الهاتف ، وهم كثر في مجتمعنا ، دون مراعاة المكان أو الزمان ، وحتى في حجرة الكشف في العيادة أو في الشارع أو المواصلات
... أتذكر مصطفى أمين الصحفي حينما سخر من صراخ أحد الموظفين وهو يتكلم في الهاتف ، فلما سأل عن سبب هذا الصراخ ، قيل له أن الموظف يكلم أسرته في دمنهور ، فقال في غيظ (طيب ما يكلمهم بالتليفون يا أخي !) 
... هناك نوع آخر من البشر إذا همست في أذنه بـ (سر) ، يكرر ما قلته بصوت عالٍ ويسمع من حولة 
... وٱخر تهمس له في أذنه بين جمع من الناس وتقول له (·····) ، فيصيح بصوت عالي (ماذا ؟! ، تريد الذهاب إلى الحمام ؟! ، لماذا ؟!) ، وأحيانا تهمس له (·····) فيرد بصوت عال (ماذا ؟! ، لا تطيق ذلك الرجل ؟! هل ضايقك في شيء ؟!) ، فهذا نوع من البشر لا يتقن إلا الصراخ طيلة الوقت ويسبب لك الحرج 
... إذا لا مكان في هذا العالم لخفيضي الصوت بل الصراخ عنوان ذلك العصر 
... فيا أخي الكريم لاترفع صوتك لتُثبت أنك موجود ، فالعظماء لا يطرقون الأبواب ، بل تحسّهم الأرواح من خلف الجدران ، فالضوء الحقّ لا يُبرر إشراقه ، والكوكب الصادق لا يطلب عينًا لتشهد مساره ، فمن سكنت البصيرة قلبه ، رآك وإن غطّاك ظلامُ العالم ، ومن لا يرى إلّا البريق سيعجز عن إدراك جوهرك وإن كنت شمسًا
... دع حضورك ينمو في السكون بلا صراخ ، فمن يُبصر بنور قلبه لا يحتاج ضجيجك ليتّجه إليك ، لا تُبدّد نورك في محاولة إقناع العابرين بصوتك العالي ، فمن يريد أن يراك سيراك حتى لو كنت صمتًا في ظلمة
... اللسان الجميل ، هو ترجمة للروح الجميلة لذلك عند الحوار لاترفع صوتك ، بل ارفع مستوى كلماتك ، فأجمل القلوب تكون في كل شئ ، في الكلمات والصداقة ، والحب ، واﻷخلاق ، حتى في التعامل ، هي جميلة
... تحياتي ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أثر الخطوة الأخيرة بقلم نشأت البسيوني

أثر الخطوة الأخيرة بقلم/نشأت البسيوني  في زاوية من زوايا العمر اللي مافيش حد بيشوفها غير اللي عاشها بييجي وقت تحس إنك واقف فوق خط رفيع بين ح...