د/علوي القاضي .
... هناك من تتسم فلسفته في الحياة بـ (الجشع) ، وهو يؤمن بالمثل القائل (الكفن بلا جيوب) ، تلك الحكمة عظيمة لمن يعيشها بعقل واع
... وللجشع صور مختلفة في كل مناحي حياتنا ، في عصرنا يتمتع الناس بدرجة عالية من الجشع الذي يثير ذهولنا إذا أدركنا حجمه الحقيقي ، ومع ذلك يرفعون شعار (الزهد والرضا بما قسمه الله لهم) ،تلك (شيزوفرينيا) ، رغم مايتشدقون به بأن الكفن بلا جيوب
... وتجلت صور الجشع الممزوج بالزهد ، عندما دخلت زميلتنا عند الخزينة ، ووقعت على كشف الرواتب في إشمئزاز وهي تردد ، (مال حرام كله ، والله لم نعمل بربع هذا المبلغ ، فنحن نأتي العمل ونظل نتكلم بالغيبة والنميمة ، ونجهز طعام منزلنا ، ولا نعمل شيئا مقابل مرتبنا !) ، نظر لها الصراف مندهشا ، فلم يسمع قط موظفًة تدلي بهذا الإعتراف ، لكن الزميلة واصلت الإشمئزاز الممزوج بالزهد وقالت (كله مال حرام لا نستحقه !) ، الغريب أنها كانت تقول هذا وهي تعد الأوراق المالية بشغف ودقة ، ثم قالت : (هناك جنيها ناقصا !) ، ناولها الصراف الجنيه ، فتفحصته بعناية ثم أعلنت أنه تالف ، وتريد أن تستبدله ، هكذا أدركت أنها سيدة زاهدة ظاهريا ومتعففة عن متاع الدنيا ، وفي الحقيقة حريصة على المال
... ومن صور الجشع ما نقرأه في الإعلانات ويكشف لنا كمية الجشع في النفس البشرية
... إعلان في عمود (أريد عريسا) ، قرأت نداءا من إمرأة أرملة تريد رجلًا يتزوجها وينفق عليها هي وإبنها ويشتري لها شقة !) ، والعجيب أن الإعلان لا يشمل أي وعود منها ، ولا أي تلميح عن أشياء خارقة للعادة تنتظر هذا العريس ، حتي لو كانت (ملكة جمال العالم) ، فلا يوجد مبرر لذلك ، غير الجشع
... وهناك صور أخري للجشع تتمثل في سوق العقارات ، أحدهم كان لديه قطعة أرض يرتفع ثمنها دوما ، والنتيجة أنه أحجم عن بيعها لأنه يشعر أنه سيكون أحمق لو تعجل في بيعها ، لأن سعرها سوف يرتفع أكثر ، هكذا إنتظر ، وهكذا تحمل فترات صعبة وقاسية ماديًا
... كل الناس أو معظمهم يعانون من مشكلة الجشع ، تجد الرجل مفلسا تمامًا وأن ما يملكه من مال يتمثل في شقة أو قطعة أرض ، لا ينعم بما يملكه أبدًا إنما ينتظر فرصة أفضل ، لذلك فهو دائما مذعور وقلق
... صديق يمتلك أرضًا شاسعة ، ورغم ذلك كان أثاث بيته قديما ومهشمًا ، والطلاء تغير لونه ، وكان طعامه شحيحا جدًا ، لأنه لا يملك جنيها ، ودائما في ضائقة مالية مزمنة ! ، رغم ما عنده من أملاك ، ولكن مشكلته أنه لا يجرؤ على بيع أي منها طمعا في إرتفاع سعرها ، فلديه فكرة مبهمة عن يوم يبيع فيه أرضه ويصير فيه ثريًا وينعم بما إدخره ، لكن هذا اليوم لم ولن يأتي أبدًا ، لأنه صار مكبلًا بـ (الجشع) ، ولن يتحرر أبدًا منه إلا وهو في القبر ، و لن ينتفع بهذا المال سوى الورثة
... ومن صور الجشع ذلك المحامي الفرنسي الذي طمع في سيّدة فرنسيّة تُدعى (جين) ، التي بلغت من العمر تسعين عامًا ، وفقدت زوجها ، وإبنتها ، وحفيدها ، وأصبحت وحيدةً في شقّتها ، وكان دخلها ضئيلاً ، ورأى المحامي أنها فرصةً للربح ، فعَرض عليها أن يمنحها مبلغًا شهريًا ثابتًا ، على أن تؤول (الشقّة) إليه بعد وفاتها ، ولأن المحامي (جشع) إعتقد أنّ إمرأةً في مثل عُمرها لن تُعمّر طويلاً ، وحسب أنه سيظفر بالشقّة سريعًا وبثمن بخس ، لكن لأن الأعمار بيد الله إذ مدَّ الله في عمر (جين) حتى بلغت مائة وإثنين وعشرين عامًا ! بينما المحامي نفسُه رحل قبلها ، تاركًا لها ما كان يدفعه طيلة ثلاثين سنة أضعاف ثمن الشقّة ، وفي النهاية لم يَنَل شيئًا
... قد يظنّ الإنسان أن الجشع يحفظ له المكاسب ، غير أنّ الرِّزق بيد الله ، يُقسّمه كما يشاء ، وقد يجعل من تدبيرك لغيرك رِزقًا له ، ومن طمعك وجشعك حسرةً عليك
... الجشع ، عاطفة تسيطر على الجميع ، برغم أننا لا نكف عن الكلام عن القناعة ، وعن الكفن الذي لاجيوب فيه
... كلنا مصابون بالشيزوفرينيا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق