قصة قصيرة
بقلم :نور شاكر
كانت السماء تميل إلى السواد، والقمر غائب خلف ستار من غبار كثيف، كأن الكون قد أطفأ أنواره ليواكب ظلمة روحها خطت أولى خطواتها في الصحراء، وكل خطوة كانت تثقل كاهلها بحمل عُمرٍ لم تعشه كما أرادت، عُمرٍ قُطّع أوصاله على مرّ الأيام لم يكن أمامها سوى طريق واحد: الرمل، والفراغ، وريحٌ تتلو
همساتٍ غامضة لا يفهمها إلا التائهون الذين دفنتهم الصحراء تحت كثبانها، تاركةً وراءهم صدى أحلام لم تكتمل كانت ترى في كل حبة رمل ذكرى، وفي كل نسمة هواء صدى صوتٍ قديم.
كانت تعرف أن هذه الصحراء ليست مجرد مكان؛ إنها انعكاس لماضيها قاحلة، قاسية، لا تُبقي على شيء أخضر كانت تُشبه تمامًا تلك المشاعر التي استقرت في قلبها، مشاعر خالية من الحياة، لا تُنبت إلا اليأس وكلما تقدمت، بدأت ترى ظلالًا تتحرك بين الكثبان
كانت أشكالًا باهتة، مكوّنة من رمال سوداء تتراقص في الهواء، وكأنها أشباح تخرج من أعماق الأرض اقتربت منها بقلبٍ يخشى ما يعرفه أكثر مما يخشى ما يجهله، فإذا بها وجوه تعرفها. وجوه أولئك الذين أخذوا منها أجزاءً من روحها قطعة قطعة، وتركوا مكانها ندوبًا عميقة لا تلتئم
كانت إحداهن صديقة قديمة، تبتسم ببرود، بينما يدها مزروعة في صدرها تنتزع منه نبضة فرح كانت ترى كيف تتلاشى هذه النبضة في الهواء، لتتحول إلى غبار رمادي وكانت هناك أخرى، قد وعدتها بالبقاء إلى الأبد، لكنها كانت تقف الآن كتمثال من رمل، تبتسم بسخرية بينما تسقط من عينيها آخر قطرة ثقة وكان آخر رجلاً أحبته، يمد يده كمن يريد احتواءها، ثم يضغط عليها بقسوة حتى تتفتت
لم يقتربوا منها جسديًا، بل كانوا يمرون من خلالها كما تمر الريح في جسد الشجرة اليابسة، تاركين وراءهم شقوقًا في أعماق روحها لا تُرمَّم
كانت كلما مرّ أحدهم، شعرت أن جزءًا من ذاتها يتآكل
يختفي في العدم
واصلت السير، وكل ظل يتركها يتركها أخف وزنًا، لكنه يترك معها فراغًا أكبر كانت تشعر أن الصحراء تتآمر معهم، تمتص منها آخر ذرة قوة حتى الرمل تحت قدميها لم يعد ثابتًا؛ كان ينزلق، كأن الأرض نفسها ترفض أن تمنحها الأمان كانت تلمس بحةً في صوت الريح، وبكاءً صامتًا في حبات الرمل، وكأن الكون بأكمله يشاركها يأسها كانت تسمع أصواتًا خافتة تأتي من كل مكان، أصواتًا تُذكرها بكلمات قيلت في لحظات ضعف، بوعود لم تتحقق، بآمال تحولت إلى رماد
عند منتصف الليل، وقفت فوق كثيب عالٍ، تنظر إلى الأفق حيث يختلط الرمل بالسماء في لوحة سوداء لا نهاية لها لم تجد أي ضوء، سوى ومضة صغيرة بعيدة جدًا... كأنها شمعة في غرفة منسية سألت نفسها بقلبٍ متهالك: "هل هي نجاة... أم سراب جديد؟" فقد تعلّمت أن الأمل في صحراء كهذه لا يكون إلا وهمًا قاسٍ، يُعطيك بصيصًا من النور فقط ليسلب منك آخر ما تبقى لديك من قوة
في تلك اللحظة، ارتفعت أصوات الظلال من خلفها، تهمس بصوت واحد، يحمل صدى كل خيبة أمل مرت بها:
"لن تجدي مخرجًا، لأنكِ أنتِ الصحراء."
كان الصوت يتردد في رأسها، يكاد يمزق صمت الليل
"أنتِ القحط، أنتِ الرمال التي لا تُنبت شيئًا."
شعرت أن الظلال تحيط بها من كل جانب، تُغلق عليها كل طريق للهروب كانت ترى وجوههم تتشكل في الرمال، عيونهم تلمع في الظلام، تضحك على يأسها، على محاولتها الفاشلة للنجاة
أغمضت عينيها، لا لتتجاهلهم، بل لتنظر في أعماقها أدركت أن الهروب لم يكن من هذا المكان، بل من ذاتها التي سلمتها لهم منذ زمن ابتسمت بمرارة، ابتسامة من اكتشف أن سجنه لم يكن جدرانًا، بل خوفًا داخليًا. ثم خطت نحو تلك الومضة، لا تعرف إن كانت ستصل إليها، لكنها قررت أن تمشي هذه المرة لنفسها، لا للهروب من أحد
كانت هذه هي اللحظة التي قررت فيها استرداد نفسها
سارت نحو الومضة، والخطوات هذه المرة لم تكن ثقيلة كما كانت في البداية كان هناك شيء ما قد انكسر في داخلها، شيء يحررها من عبء الماضي
كانت الرمال تحاول أن تسحبها إلى الخلف، لكن شيئًا في داخلها أصبح أقوى من الصحراء نفسها وكل ظل من ظلال ماضيها حاول اللحاق بها، لكنه بدأ يتلاشى في الهواء كالدخان، حتى تلاشت جميعها في العدم، تاركة وراءها صمتًا لم يكن مخيفًا، بل كان هادئًا ومطمئنًا كانت تمشي الآن بخفة، كأنها تحررت من سلاسل ثقيلة كانت تقيدها كانت تشعر بقوة جديدة تنبع من أعماقها، قوة لم تكن تعرف بوجودها من قبل
كلما اقتربت، شعرت أن الهواء أصبح أكثر برودة ونقاءً، وأن رائحة خفيفة من زهر الياسمين تتسلل إلى أنفها تساءلت بدهشة:
"كيف يمكن لزهور أن تنبت في الصحراء؟"
لكنها لم تتوقف، فالأمل الذي كان وهمًا في البداية أصبح الآن حقيقة ملموسة كانت تسمع صوت خرير ماء خافت، وشعرت أن قلبها ينبض بسرعة، ليس من الخوف، بل من ترقب ما هو قادم كانت ترى السماء تتغير، والنجوم تظهر واحدة تلو الأخرى، كأنها تحتفل بقرارها
وعندما وصلت، اكتشفت أن الومضة لم تكن سوى بذرة صغيرة تتوهج وسط الرمل. انحنت، ولمستها برفق، فانبثق منها نور قوي غمر المكان كان النور لا يقتصر على الإنارة، بل كان يبعث دفئًا في قلبها اهتزت الأرض تحت قدميها، وبدأ الرمل يتفتت ويتحول إلى تربة خصبة، وبدأت تتسلل أعشاب خضراء من تحت قدميها، ثم أشجار باسقة، وزهور بألوان لم ترَ مثلها من قبل كانت الحياة تنبعث من قلب العدم
كانت تلك البذرة هي جوهر قوتها الداخلية، هي الأمل الذي لم يسمح لليأس بأن يقتل كل شيء فيها كانت تلك البذرة هي ذاتها الحقيقية، التي كانت مدفونة تحت رمال الألم والخيبات
كانت الصحراء كلها تتغير أمام عينيها... المكان الذي كان يخنقها صار يتنفس معها، والأرض التي ابتلعت دموعها صارت تشرب منها ماء الحياة
فهمت أخيرًا أن الصحراء لم تكن لعنتها، بل مرآة لداخلها وحين أضاءت بذرة قوتها الداخلية، تغير كل شيء حولها جلست وسط الحديقة التي وُلدت للتو، وأغمضت عينيها هذه المرة ليس لتغلق على الألم، بل لتحفظ لحظة الولادة الجديدة في قلبها. كانت تلك هي اللحظة التي أدركت فيها أن أقسى الأماكن يمكن أن تزهر، إذا ما نبتت فيها بذرة الأمل من أعماق الروح كانت الصحراء التي كانت تُشبهها بالأمس، هي اليوم حديقة خضراء، تُشبه ما أصبحت عليه في الداخل
لم تعد تخاف من الماضي، فقد أصبح مجرد ذكرى بعيدة تلاشى مع تلاشي الظلال، تاركًا وراءه أرضًا خصبة
لم تكن تلك اللحظة نهاية الرحلة، بل كانت بدايةً جديدة
حتى أنها لم تكن وحدها كانت هناك زهرة ياسمين بيضاء تتوهج بنور خافت، وكأنها تحمل في بتلاتها سرّ الصحراء انحنت لتشم رائحتها، فشعرت بسلامٍ لم تختبره من قبل أدركت أن هذه الزهرة هي، هي النقاء الذي بقي داخلها رغم كل ما مرّت به
ابتسمت، ومضت قدمًا في هذه الحديقة الجديدة التي خلقتها بنفسها لم يعد هناك ظلال لتطاردها، فقد تحررت منها ومن ذكرياتها كانت تمشي على أرضٍ ثابتة، تحت سماءٍ صافية، تشرب من نهرٍ صغير يجري في قلب الحديقة كانت تشعر بالحياة في كل نبضة من نبضات قلبها، وفي كل نسمة هواء تلامس وجهها
حينما قررت أن تزرع بذرة الأمل في قلبها، تحولت الصحراء إلى جنة، ووجدت في هذه الجنة نفسها الحقيقية، القوية، والمزهرة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق