مع إطلالة شهر ربيع الأول،تتهلل قلوب المسلمين في أرجاء المعمورة،وتنتشر مظاهر البهجة والفرح التي تجسد احتفاءهم بذكرى المولد النبوي الشريف،ذكرى ميلاد خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.هذا الاحتفال الذي أصبح تقليدًا عزيزًا لدى الملايين،ليس مجرد طقس شكلي،بل هو مناسبة روحية عميقة لها مغزاها وأهميتها في حياة الفرد والمجتمع المسلم.
في صميمه،يعبّر الاحتفال بالمولد النبوي عن فرح القلب الإسلامي بقدوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم.فهو نبي الرحمة الذي جاء ليخرج الناس من ظلمات الجهل والشرك إلى نور العلم والإيمان. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّن مَّا يَجْمَعُونَ) (سورة يونس: 58).وقد فسّر كثير من المفسرين "رحمة الله" هنا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
لذلك،فإن هذا الفرح هو تعبير عن محبة الرسول، وهذه المحبة هي ركن من أركان الإيمان.قال صلى الله عليه وسلم: "لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والدِه وولدِه والناسِ أجمعين" (صحيح البخاري).
وليس الهدف من الاحتفال هو مجرد الاجتماع والإنشاد،بل هو منصة للتذكير والتعلم.فهو فرصة ثمينة:لتذكر سيرة النبي العطرة،وذكرى مولده تفتح الباب لإعادة قراءة أحداث سيرته العظيمة، من مولده في مكة يتيمًا إلى بعثته وهدايته للبشرية،وصبره على الأذى،وهجرته،وانتصار دعوته.
لقد كان صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض،تجسدت فيه كل معاني الصدق،الأمانة، الرحمة،العدل،الشجاعة،والتواضع.من هنا، فالاحتفال به هو دعوة للتخلق بأخلاقه.كما أن بعثة النبي محمد نعمة كبرى تستحق الشكر، والاحتفال بذكرى مولده هو أحد تجليات هذا الشكر.
على هذا الأساس،الاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو احتفال بالخير،والرحمة،والنور الذي أشرق على العالم بمولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.هو ليس عيدًا شرعيًّا بمستوى عيدي الفطر والأضحى، ولكنه مناسبة دينية واجتماعية تعبر عن فرح الأمة بنبيها،وتذكير لها بضرورة الاقتداء بهدييه وسنته في كل مناحي الحياة.فهو محطة سنوية لتجديد العهد مع الرسول،وفرصة لتعميق محبته في القلوب،التي هي أساس اتباعه حق الاتباع.
والفرح بالمولد النبوي الشريف هو تعبيرٌ عن امتنان القلب بنعمة الإسلام وبرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم،وإن اختلفت آراء العلماء حول شرعية الاحتفال،فإن الجوهر يبقى واحداً: تجديد الحب للنبي،والاقتداء بأخلاقه.فلتكن هذه المناسبة نورا يهدينا إلى الخير،وفرصة لِنُظهر الفرح برحمة الله التي تجلت في مولد "رحمة للعالمين".
"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (سورة الأنبياء: 107).
كل عام والأمة الإسلامية إلى الله أقرب،وعلى نهج نبيه أحرص.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد،وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق