الجمعة، 23 يناير 2026

فِرارُ طائِرُ الْبَبْغاءِ بقلم لطفي منصور

أ.د. لطفي منصور
خاطِرَةٌ:
فِرارُ طائِرُ الْبَبْغاءِ:
قُمْتُ بٍالْأَمْسِ بِزِيارَةِ عادِيَّة لإحْدَى بَناتي، وَبَعْدَ أَنِ اسْتَقْبَلَتْني وَجَلَسْتُ في الْمَكانِ الَّذي اختارَتْهُ لِي، لَمَحْتُها تُحاوِلُ أنْ تَزْوِيَ وَجْهَها عَنِّي، وَلا تَرْفَعُ عَيْنَيْها إلَيَّ، فَسَأَلْتُها: ماذا حَصَلَ؟ فَالْتَفَتَتْ إلَيَّ مُحاوِلَةً أنْ تَرْسُمَ ابتِسامَةً عَلَى شَفَتَيْها وَسْطَ سَحابَةٍ مِنَ الْوُجُومِ غَطَّتْ وَجْهَها، وَقَدْ ظَهَرَتْ آثارُ الدَّمْعِ مُحيطَةً بِمِحْجَرَيْها. 
كَرَّرْتُ سُؤالي بِصَوْتٍ عالٍ : ماذا حَدَثَ أخْبِريني قَدْ زاد قَلَقي!! فَقالَتْ بِصَوْتٍ تَشوبُهُ بَحَّةٌ: لَقَدْ فَرَّ كوكو.
عِنْدَما سَمِعْتُ هذا هَدَأَ رَوْعِي، وَعَرَفْتُ أنَّ الْأَمْرَ أَهْوَنُ مِمّا تَوَقَّعْتُ. كوكو طائِرُ الْبَبْغاءِ هَكَذا دَعَوْهُ كانَ مَصْدَرَ تَسْلِيَةٍ لِلْعائِلَةِ كُلِّها، كانَ بِحَجْمِ الْحَمامَةِ الْبَلَدِيَّةِ الْكَبيرَةِ، أَغْبَرَ اللَّوْنِ، لَهُ مِنْقارٌ أَعْكَفُ قَوِيٌّ، وَعَينانِ مُسٍتَدِيرَتانِ كَعَيْنَيِ الصَّقْرِ ، وَمَخالِبُ طَوِيلَةٌ حادَّةٌ، وَجَنَاحانِ طَوِيلانِ. طائِرٌ وَدِيعٌ لا يُهاجِمُ وَلا يُؤْذِي. وُضِعَ في قَفَصٍ كَبيرٍ بِثَلاثِ طَبَقاتٍ، فيهِ طَعامُهُ مِنْ حُبوبٍ خاصَّةٍ، وَبِجانِبِهِ إناءُ ماءٍ لِشِرْبِهِ.
لَمْ أَكُنْ أُصَدِّقُ أنَّ الْبَبْغاءَ تُحاكي كَلامَ الْإنْسانِ ، حَتَّى جَرَّبْتُ هذا بِنَفْسِي، كانَ قَدْ دُرِّبَ عَلَى النُّطْقِ بِالإنجليزِيَّةِ وَالْعِبْرِيَّةِ، وَلَمَسْتُ هَذا بِصُورَةٍ واضِحَةٍ.
حَزِنَتِ ابْنَتِي عَلَى فِراقِ كوكو وَبَكَتْ، وَلَمْ تَعْرِفْ سَبَبَ تَرْكِهِ الطَّعامَ والشَّرابَ والْمُعامَلَةَ الْحَسَنَةَ، مَعَ أنَّهُمْ كانوا يفتَحونَ القَفَصَ فَيَخْرُجُ مُرَفْرِفًا في أَرْجاءِ الْبَيْتِ.
أَخَذْتُ أُسَرِّي عَنْها وَقُلْتُ لَها: إنَّها الْحُرِّيَّةُ التي يَنْشُدُها. لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ لَهُ جَناحَيْنِ لِيَطيرَ بِهِما، لا لِيُحْبَسَ في قَفَصٍ . ثُمَّ أَنْشَدْتُ لَها قَصيدَةَ البُلْبُلِ والْقَفَصِ الذَّهَبِيِّ وَصاحِبِهِ الَّتي تَعَلَّمْناها في الصِّغَرِ. وَقَدْ رَأَيْتُ أنْ أُثْبِتَها هُنا لِأَهَمِّيَّتِها:
قَدْ كانَ عندي بُلْبُلٌ      
حُلْوٌ طَويلُ الذَّنَبِ
ظَرِيفُ شَكْلٍ ريشُهُ      
يَلْمَعُ مِثْلَ الذَّهَبِ
وَكانَ يَشْدو دائِمًا        
بِكُلِّ لَحْنٍ مُطْرِبِ
وَلَمْ أَكُنْ أَمْنَعُهُ        
مِنْ مَأْكَلٍ أَوْ مَشْرَبِ
فَفَرَّ مِنِّي وَنَأَى       
بِدونِ أَدْنَى سَبَبِ
وَقالَ لٍي حُرِّيَّتِي        
لا تُشْتَرَى بِالذَّهَبِ
—————
أَتَوَجَّهُ إلى مُديري الْمَدارِسِ الِابْتِدائِيَّةِ، وَمُعَلِّمِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فيها، أنْ يُعَلِّمُوا طُلّابَهُم قصيدَةَ الْبُلْبُلِ، لِطَرافَتِها وَفَصاحَتِها، وَمَعْنَى الْحُرِّيَّةِ لِلْإنْسانِ ، والْحَيَوانِ والطَّيْرِ، والرِّفْقِ بِالْحَيَوانِ ، وَأنْ يَحْفَظَ الطُّلّابُ القَصيدَةَ غَيْبًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

فقد الوفاء بقلم عباس كاطع حسون

فقد الوفاء وصحبْتُ قَبلكَ في الغرامِ احِبَّةً لكنَّهُمْ. كَذبوا. بما. وعدوني أعطيتهمُ ما أستطيعُ عطاءَهُ لكنَّهمْ. بخلوا. ولمْْ...