الأحد، 1 فبراير 2026

الوفاء من شيم الكرام بقلم ماهر اللطيف

الوفاء من شيم الكرام
بقلم:ماهر اللطيف/ 🇹🇳 

كنت في منزلي ظهر أحد أيام الصيف، أتناول الغداء صحبة زوجتي صفاء ،ابني باهر،ابنتي امتنان وصغيرتنا جلنار،نتجاذب أطراف الحديث في شؤون شتى، حتى انتهينا إلى قرار جماعي : عشاء وسهرة في مدينة سياحية مجاورة،هربا من رتابة الحياة اليومية. 

لكن ،بدون ميعاد،رن جرس هاتف صفاء،طلب منها مخاطبها الحضور فورا إلى منزله للكشف عن مريضتها "سكينة" التي تعكرت حالتها الصحية ولم تعد تتحمل ما ألم بها من ألم جعلها تصيح بأعلى صوتها،ترجو الموت للخلاص مما هي فيه الآن ،تتعرق،تمزق ملابسها وغير ذلك من الأمور الأخرى التي ذكرها تدمي قلب السامع.

تغير وجه زوجتي،اعتذرت عن هكذا موقف مفاجئ،لكنها أصرت على أداء هذه الزيارة تلبية إلى واجبها وحق مريضتها عليها،على أن لا تتأخر في العودة إلى المنزل وإتمام ما خططنا له دون تردد أو تأخير بإذن الله ،لذلك طلبت مني مرافقتها لكيلا تتعطل هناك.

رغم عدم اقتناعي بذلك،لبيت طلبها مكرها،ركبت سيارتي واتجهنا صوب المكان الذي دلتني عليه،وهو حي فخم وراقي،لا يسكنه إلا "سادة القوم" و "أثرياؤه العظماء"، جبنا الممرات والأزقة بين هذه القصور و السيارات باهظة الثمن التي لا يقبلها عقلي وفكري حتى في أحلامه وأمانيه، إلى أن توقفنا أمام "جنة من جنان الأرض".

فتح لنا الباب آليا بعد أن ركنت سيارتي العتيقة البالية بين فيلق من السيارات المميزة،ترجلنا على ممشى طويل تحيط به يمنة ويسرة الأزهار والورود،الياسمين،الأشجار المثمرة، تنبعث من اسفلته المزركش أضواء وأنوار خافتة من كل ناحية،فإذا بنا أمام مسبح كبير دائري الشكل ،كراسي وطاولات منتشرة هنا وهناك تحت واقيات شمس زرقاء اللون ،على يمينه مرأب سيارات مغطى تقبع فيه عدة عربات فخمة،على اليسار مشرب صغير وأدواش وغيرها من الأمور التي لم أتبينها جيدا بحكم استعدادنا إلى ولوج باب هذا القصر الذي أسال لعابي وجعلني أسبح وأحوقل باستمرار.

دخلنا مصحوبين بخادم القصر الذي رافقنا من الأول ،نزلنا درجتين لنجد أنفسنا في "حلبة كبيرة" مجهزة بعدة قاعات جلوس،زرابي، موائد وغيرها، ضوء خافت،موسيقى سمفونية تنبعث هادئة تجعلك تسبح في عالم آخر غير عالمي الذي ينشطه جيراني في حينا الشعبي.

جلسنا هناك بعد أن أهدونا كؤوسا من العصير،المياه المعدنية،القهوة،ما لذ وطاب من الفواكه والغلال في انتظار السماح لنا بالصعود إلى "جناح سكينة" (وهي في العشرين من عمرها، مصابة بسرطان خبيث في المخ منذ مدة، حاول والدها معالجتها في كل مكان وفي أية دولة،لكن الأمر فات وانتهى ،فهي في مراحلها الأخيرة حين وقع إكتشاف إصابتها بهذا الداء، تخضع حاليا إلى المسكنات والمهدئات وبعض الحقن لا غير).

صعدنا إلى الطابق الثالث،رحب بنا والدها "عبد الصمد عبد الغفار" الذي اعترضنا أمام المصعد الآلي ،رافقنا إلى مرقد سكينة ،فتح الباب وأذن لنا بالدخول، فرأينا حائطا زجاجيا على طول المبنى يحول بيننا وبين البحر الجميل الذي يترآى لنا، مناظر طبيعية خلابة من هنا وهناك،أشعة شمس تخترق سكون هذا المكان الوجوه الحزينة،أثاث لا أستطيع وصفه لبهائه وفخامته التي تتجاوز محدودية عقلي وتفكيري ورؤاي،فراش دائري فخم أبيض اللون ملقاة عليه "جثة آدمية" نحيلة الجسد،جامدة تكاد لا تتحرك،لا تسمع منها غير أنين متقطع وبعض الكلمات غير المفهومة أحيانا،دموع تنهمر من على خدودها تبل تصحر جسدها وتعطشه إلى الحياة...

تقدمنا خطوات نحوها والسيد عبد الصمد يتنهد ويدعو الله شفاء قرة عينه الوحيدة التي يعيش من أجلها بعد موت زوجته منذ مدة بنفس الطريقة ،تسمرت في مكاني فجأة لا أكاد أصدق من أرى،كذلك فعلت سكينة التي حاولت القيام مراراً وتكرارا،لكن المرض والاعياء حالا دون ذلك مما زاد في المها وتعكر حالتها،الشيء الذي جعل السيد عبد الصمد وصفاء يستغربان ويتساءلان في الحال عن تفسير لهذا المشهد.
فأعلمتهما أن سكينة تلميذتي،درست في فصل من فصولي منذ أكثر من سبع سنوات في مدرسة "المنهل" الإعدادية قبل أن ينتقل إلى المدرسة الإعدادية "الأمل"،كانت متميزة في مادة العربية،متواضعة،بشوشة،يحبها الجميع، ذات خلق وأخلاق عاليتين.

كما أعلمتهما -وسكينة تبتسم رغم الألم وتمد يدها نحوي لأمسكها،وقد انحنيت ،قبلتها بحرارة،جلست بجانبها وأنا أضمها إلى صدري والحزن ينهش جسدي - ، إنني سألتها مرة أمام أقرانها "هل أنت فرد من أفراد عائلة عبد الغفار الثرية المعروفة وطنيا بما تملكه من شركات ومصانع وغيرها ؟"،فابتسمت ونفت ذلك قائلة إنه "مجرد تشابه في الألقاب" لا غير حتى لا تشعر البقية بالفوارق الاجتماعية والإقتصادية وغيرها.

منها،تقوت سكينة على وضعها،ابتسمت في وجهي ،قبلتني ،قالت لوالدها "هذا هو سيدي"العربي" الذي ساعدني كثيرا وجعلني أحب العربية وتوابعها،أحفظ القرآن عن ظهر قلب،ساهم في بناء شخصيتي بناء قويمًا...، دائما ما أحدثك عنه أبتاه حتى قمت بزيارته في المدرسة (صُعقت وقتها من هذا الحديث،فلم أره قط قبل الآن) في تلك السنة.

ابتسم السيد عبد الصمد وصفاء تجهز الحقنة وتعقمها ومكان ولوج إبرتها في جسد سكينة ،ثم قال في هدوء بصوت رقيق واثق من نفسه:

- أرجو أن تكون هديتي قد أعجبتك حينها (تفاجأت زوجتي والتفتت نحوي بسرعة لتلحظ صدمتي أيضا) سيد العربي

- عفوا ! عن أي هدية تحكي؟ أنا لا أقبل الهدايا مهما كان نوعها وقيمتها

- (ضاحكا وسكينة تتابعنا) لا علينا، لا فائدة من الإحراج أيها الفذ

- (مقاطعا وقد احمر وجهي) لا، أرجوك، فسر لي هذه النقطة

- (مربتا على فخذي،بصوت مرتفع فيه نوع من الكبرياء والتعالي) زرتك في المدرسة في تلك السنة لأشكرك على ما قمت به تجاه ابنتي ،لم أجدك،فتركت لك ظرفا مغلقا عليه اسمك به مبلغ مالي قيم ورسالة شكر، مفاتيح سيارة جديدة تركتها لك أمام المدرسة،وقد قال لي السيد المدير أنه سيوصل هذه الهدية لك لاحقا.

شعرت بالاغماء وفقدان الوعي تحت صدمة ما سمعت،تلعثم لساني وصفاء ترتعش يدها وتعجز عن حقن مريضتها، اندهش عبد الصمد وتابع حالتي بكل انتباه،دمعت عيناي سكينة مجددا ،ساد الصمت المكان هنيهة وسمح للشيطان أن يعمل عمله في عقل ووجدان كل واحد منا، قبل أن أعلمه أني خالي الذهن من هذه الرواية وتفاصيلها،لم أعلم بها غير الآن من ناحية، وإني ما كنت لاقبلها جملة وتفصيلا من ناحية ثانية لأني قمت بواجبي الذي أُؤجر عليه شهريا،الشيء الذي أغضب مخاطبي،جعله يغتاظ،يزمجر،يَهذي،يسب ويشتم...

مسك هاتفه وشرع يجري مكالمات هاتفية عديدة وهو ينظر لي نظرات ثاقبة -أرجو أن لا تخفي وراءها غلا وتشفيا وإجراءات لا أقوى عليها- ، بصاقه يتطاير من كل جهة،صوته يعلو وينخفض ،يهدد،يلعن، يحفز،يخطط....

وما إن أنهى اتصالاته ،مع انتهاء صفاء من عملها وتمنياتنا إلى سكينة بالشفاء ،وكنا نستعد إلى مغادرة المكان حتى أقسم أن لا نغادر حتى نشاركه العشاء والسهر،ورغم إعلامه ببرنامجنا،فقد أصر على ذلك وأرسل سائقه لجلب أبنائي لمشاركتنا هذه المأدبة.

وفي الليل ،أعلمني السيد عبد الصمد أن تحرياته واتصالاته أفضت إلى أن السيد المدير استولى على الهدية وآثرها لنفسه مدعيا حصولي عليها،كما عمد إلى إنشاء مشروع تجاري باسم زوجته بالمبلغ المالي المذكور،مما جعله يرفع ضده قضية عدلية في الحال.

وما زال يخاطبني حتى حضرت مخيلتي مكالمة هاتفية وردت علي من المدير حينها استدعاني للحضور فورا إلى مكتبه لأن وليا أحضر لي هدية - ولم يعلمني بفحواها- ، فقلت له أني لا أقبل الهدايا كما يعلم الجميع، فقال لي حرفيا "أنت حر في قرارك" وأنهى المكالمة،ومن الغد حلت عطلة الصيف،قبل أن أنتقل إلى مدرسة إعدادية جديدة.

بعد السهرة ،أهدانا السيد عبد الصمد إقامة كاملة مدة أسبوع في نزل فخم من نزله وعدة هدايا أخرى قيمة من بينها سيارة لتعويض سيارتنا القديمة التي وصفها ب "قطعة تاريخية نادرة" ، لكنني رفضت ذلك قطعيا وكذلك زوجتي رغم إصرار وتوسل سكينة التي نجحت في اقناع صفاء بقبول الإقامة في النزل مدة ثلاثة أيام مع منحنا تخفيضا في الثمن بعد رفضنا للهدايا.

لكن للأسف ،فقد بلغنا خبر وفاة سكينة من الغد ونحن في النزل نتفقد غرفنا،فانقلب الفرح إلى حزن،والراحة والاسترخاء إلى ألم وعذاب الفراق...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الإنسان والوجود بقلم طارق غريب

الإنسان والوجود طارق غريب يكتب : الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بأن يكون موجوداً، بل يتعثر بسؤال الوجود نفسه. الحجر موجود ولا يسأل ،...