السبت، 7 فبراير 2026

الجوع كافر بقلم يحيى محمد سمونة

الجوع كافر

في الوقت الذي كنا ننتظر فيه أن يأذن لنا الرائد إسكندر بالدخول إلى المطعم و نحن نتضور جوعا، إذا به يحول الموقف إلى درس في حتمية الانضباط و الطاعة !

و الطاعة عند الرائد إسكندر تعني تنفيذ الأوامر فحسب [ قلت: من طبع المثقف أنه يطيع الأوامر كافة ما لم تكن مخالفة للدين و المنطق السوي ] 

لكن سمير الآشوري خريج الجامعة و معيد في كلية الآداب قسم لغة انجليزية كان بوقوفه المنطقي في وجه الرائد إسكندر، كان قد فتح الباب أمام معظم الجنود المثقفين كي يقفوا وقفة صمود في مواجهة الرائد دونما تخط منهم لحاجز رتبته العسكرية 

و فيما كان الرائد يلقي علينا محاضرته في مسألة الطاعة العمياء، رفع عبد الهادي يده طالبا من الرائد أن يأذن له بالكلام [ كلنا يعرف عبد الهادي هذا بخفة دمه و روحه المرحة ] و حين أذن الرائد له بالكلام، قال له: يا سيادة الرائد، وددت أن تأذن لنا بالدخول إلى المطعم فالجوع كافر - و أشار بيده إلى معدته و هو يبتسم -   

كان عبد الهادي بكلماته هذه قد بدد حالة الوجوم التي كانت سائدة، و جعل في الموقف شيئا من أريحية و طرافة [ طبعا لم يكثر اللغط بين صفوف المثقفين، بل فقط تبددت حالة الوجوم التي كانوا عليها و باتوا أكثر انشراحا، قلت: و في ذلك إشارة إلى أن المثقف المتزن لا يشتط بسلوكه ولا يتمادى مهما سنحت له الظروف ]  

أما أنا فلم أكن في ذلك الموقف أتجرأ أن أتكلم بشيء لأنني متيقن أن الرائد سيجعل مني كبش فداء و يسخر مني أمام الجميع و لعل أقل كلمة يمكن أن يقولها لي " هنت أبو الدقن، ما بصير تحكي" - طبعا باعتباري لم أحلق لحيتي التي طالما أمرني بحلقها - لذا آثرت أن أحافظ على كرامتي ولا أتكلم، و بالأخص أن كلماتي قد يتم تفسيرها بغير ما أريد - و هذا ديدن من يخالفك الرأي -

شعر الرائد بحرج أمام كلمات عبد الهادي و دماثته، بينما هو - أي الرائد - يثقل على الشباب بتنظيراته و كلامه الفارغ الذي تتقيأ منه النفوس

قطع الرائد حديثه حول حتمية الانضباط العسكري، و بحركة التفافية - يحافظ خلالها على مكانته كضابط أمن الفوج - قال: سوف تدخلون المطعم حالا، و لكن ليس قبل أن يجيبني أحدكم عن ماهية العلاقة بين الجندي و القيادة ! و بسرعة لو سمحتم

- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا 

إشراقة شمس 118
*****
خشية المساءلة

فيما كنا وقوفا أمام المطعم بانتظار أن يأذن لنا الرائد بالدخول، اقترب الضابط المناوب من الرائد و همس في أذنه بكلمات لم نسمعها، هز الرائد برأسه، و تراجع الضابط المناوب إلى الوراء قليلا، التفت الرائد إلينا و قال: بعد أن قمتم بما قمتم به، فهذا الملازم هيثم يخبرني أن عناصر السخرة تقوم الآن بإعادة ترتيب الطعام على الطاولات، و هذا يحتاج بعض الوقت، و لذا ريثما يتم هذا الأمر نعود للإجابة على السؤال الذي كنت قد سألتكم إياه حول نمط العلاقة بين الجند و القيادة.

مرة أخرى يتدخل عبد الهادي - العريف الظريف المشاكس - و يطلب من الرائد أن يأذن له بالكلام فيأذن له الرائد، فيقول عبد الهادي و على فمه شبه ابتسامة: سيادة الرائد: عندما يكون المرء جائعا لا يحسن التفكير، بل: يصعب عليه وضع النقاط على الحروف

و يبتسم الرائد هذه المرة و يوجه كلامه إلى عبد الهادي قائلا له: يبدو أنك من النوع الذي يهتم ببطنه كثيرا ! فلماذا إذن شاركت بهذا العصيان الذي ربما وجدت نفسك قد كنت قبله في نعيم ؟!

[ قلت: كان الجند و الرائد كلاهما يريد إنهاء هذه الأزمة بلا مضاعفات - أقصد أزمة العصيان و الإضراب عن الطعام و الشغب الذي حصل داخل المطعم - فالرائد لا يريد أن تأخذ الأمور أبعادا سياسية أو أن يصل الخبر إلى القيادة العليا؛ و كذا الجند ليس من صالحهم أن تتدخل الشرطة العسكرية في حل هذه المشكلة ]

عاد ثانية عبد الهادي للابتسام قائلا: سيادة الرائد من أسبوع و نحن ندخل المطعم و نخرج منه دون أن نشبع و لم نكن نفكر قبل ذلك بمسألة الطعام لأننا كنا ندع طعامنا لغيرنا و نتوجه للمبيت خارج الفوج.

و كأن عبد الهادي بكلماته تلك قد وضع الرائد أمام تحد مباشر من أن يبلغ القيادة بما حصل ! ذلك أن الأمر يستدعي عندها فتح تحقيق في موضوع سرقة طعام الجنود! و هذا ما لا يريده الرائد كي لا يكون في محل مساءلة  

- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا 

إشراقة شمس 119

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أغافلُ الوقت و أحلّق بعيداً بقلم هُدى الجلاّب

(أغافلُ الوقت و أحلّق بعيداً)  بينَ ضلوع الزمن البليد بات الخيَال أكثر جدوى  بعيداً عن سطوة جدران أغافل الوقت و أحلّق بعيداً  تبقى معي بوصلت...