بقلم: فؤاد زاديكي
يتكوّن الإنسان عبر مسار طويل تتداخل فيه عوامل متعدّدة، ولا يُمكن ردّ شخصيّته الثقافية والاجتماعية والأخلاقية إلى عنصر واحد دون غيره، لأنّ الإنسان ليس نتاجًا آليًّا لبيئته، ولا هو صفحة بيضاء يَكتب عليها جهدُه الفردي ما يشاء بمعزلٍ عن المؤثّرات الأولى. فالأسرة، بما تمثّله من حضن أوّل، تشكّل الإطار الذي يتلقّى فيه الطّفل لغته الأولى، وأنماط تفاعله، وصورته عن ذاته وعن الآخرين، ومعايير الصّواب والخطأ، وحدود المقبول والمرفوض. وقد أثبتت دراسات علم النفس التنمويّ أنّ السنوات الخمس الأولى من عمر الإنسان تُرسّخ أنماطًا سلوكية وعاطفية يصعب تغييرها لاحقًا، مثل أسلوب التعلّق، وطريقة التعامل مع الضّغوط، والاستعداد للتعاطف أو العدوان. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تُشجّع الحوار، وتُقدّر المعرفة، وتُمارس الأخلاق لا تنظيرًا بل سلوكًا، غالبًا ما يكتسب استعدادًا داخليًا للثقة بالنفس والانفتاح والتعلّم. وفي المقابل، فإنّ الأسرة التي يسودها القمع أو الإهمال أو التناقض بين القول والفعل تزرع في الطفل ارتباكًا قيميًّا قد يرافقه طويلًا.
لكنّ هذا التأثير الأسري، على أهميته، ليس قدرًا محتومًا. فالتجارب الإنسانية مليئة بأمثلة لأشخاص خرجوا من بيئات فقيرة ثقافيًا أو مضطربة أخلاقيًا، ثم استطاعوا عبر جهدهم الفردي أن يُعيدوا تشكيل ذواتهم، وأن يبنوا لأنفسهم منظومة قيمية ومعرفية مختلفة تمامًا عمّا نشأوا عليه. وهذا ما تؤكّده نظريات التعلّم الاجتماعي التي ترى أنّ الإنسان قادرٌ على إعادة برمجة سلوكه من خلال الملاحظة والتجربة والقراءة والتأمّل. كما أنّ علم الأعصاب الحديث يُثبت أنّ الدماغ يحتفظ بمرونة عصبية تسمح له بتكوين مسارات جديدة حتى في سنّ متقدمة، ما يعني أنّ التغيير الثقافي والأخلاقي ليس مستحيلًا، بل هو خيارٌ واعٍ يتطلّب مُثابرة وإصرارًا.
ومع ذلك، فإنّ الجهد الفرديّ لا ينشأ في فراغ، بل يستند غالبًا إلى بذور زُرِعت في الطفولة، حتى لو كانت صغيرة أو غير مُكتملة. فالرغبة في المعرفة، مثلًا، قد تبدأ بإعجاب طفل بكتاب واحد، أو بمعلّم ألهمه، أو بموقف عابر فتح أمامه نافذة جديدة. والقدرة على ضبط النفس قد تتشكّل من تجربة مُبكّرة شعر فيها الطفل بأنّ سلوكه له نتائج، أو بأنّ احترام الآخرين قيمة تستحق الالتزام. وهكذا يصبح الجهد الفردي امتدادًا أو تصحيحًا أو تجاوزًا لما وضعته الأسرة من أساس، وليس نفيًا له.
ومن جهة أخرى، فإنّ المجتمع الأوسع يلعب دورًا لا يقلّ أهمية عن الأسرة والجهد الفردي. فالمدرسة، والأصدقاء، ووسائل الإعلام، والظروف الاقتصادية، والفرص المتاحة، كلّها تشكّل شبكةً من المؤثّرات التي قد تعزّز ما غرسته الأسرة أو تقوّضه، وقد تدعم مسار التثقيف الذاتي أو تعرقله. فالشخص الذي يعيش في بيئة تُقدّر العلم وتكافئ الاجتهاد يجد طريقه أسهل من شخص يعيش في بيئة تُحبِط المبادرات الفردية أو تُشَيطن التفكير النقدي. ومع ذلك، فإنّ التاريخ مليء بأسماء تجاوزت بيئاتها، ما يدلّ على أنّ الإرادة الفردية قادرة على كسر القيود، وإنْ كان ذلك أصعب.
إنّ العلاقة بين الأسرة والجهد الفردي ليست علاقة تَناقُض، بل علاقة تَكامُل. فالأسرة تمنح البذرة الأولى، والجهد الفردي يمنحها الماء والضّوء، والمجتمع يوفّر التربة التي قد تكون خصبة أو قاحلة. وقد ينجح الإنسان رغم أسرته، وقد يفشل رغم بيئة مثالية، لكنّ الاحتمال الأكبر هو أنّ الشخصية تتكوّن من تفاعل مستمرّ بين ما نتلقّاه وما نختاره، بين ما يُغرَس فينا وما نزرعه نحن في أنفسنا. فالأخلاق ليست مُجرّد تعليمات نتلقّاها، بل هي ممارسة يومية تتشكّل عبر التجربة والوعي. والثقافة ليست مجرّد تراكم معلومات، بل هي قدرة على الفهم والتحليل وإعادة إنتاج المعرفة. والاجتماع ليس مجرد اندماج في محيط، بل هو مهارة في التفاعل والتواصل وفهم الآخر.
ولعلّ أقوى دليل على هذا التفاعل هو أنّ الإخوة الذين ينشأون في الأسرة نفسها لا يكونون نُسَخًا مُتطابقة، بل يختلفون في شخصيّاتهم واهتماماتهم وقيمهم، رغم اشتراكهم في البيئة الأولى. وهذا يُثبت أنّ الجهد الفردي يلعب دورًا حاسمًا في تشكيل الهُويّة. وفي الوقت نفسه، فإنّ الأشخاص الذين يبذلون جهدًا كبيرًا في تطوير أنفسهم غالبًا ما يعترفون بأنّ هناك جذورًا أولى في طفولتهم ساعدتهم، ولو بشكل غير مباشر، على اتخاذ هذا المسار. وهكذا يتبيّن أنّ السؤال ليس: أيهما يؤثر أكثر؟ بل: كيف يتفاعلان معًا في تشكيل الإنسان؟
إنّ تكوين الإنسان عملية ديناميكية مستمرّة، تبدأ من الأسرة، وتتغذّى من المجتمع، وتُصاغ بوعي الفرد. وكلّ عنصر من هذه العناصر يُمكن أن يكون نقطة قوة أو نقطة ضعف، لكنّ الإنسان يمتلك دائمًا القدرة على إعادة تشكيل ذاته، ولو بدرجات متفاوتة. فالأسرة تمنح الاتجاه، والجهد الفردي يمنح الحركة، والمجتمع يمنح المسار. ومن اجتماع هذه القوى الثلاث تتكوّن الشخصية الثقافية والاجتماعية والأخلاقية، لا كنتاج نهائي ثابت، بل كرحلة مستمرّة من التعلّم والتجربة وإعادة البناء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق