حين أيقنت أن الرائد لن يفعل شيئا إزاء حالة العصيان التي قام بها عناصر الفوج داخل المطعم - و كنت واحدا منهم - [ قلت: هو لن يستطيع أن يفعل شيئا إزاء ذلك خشية مساءلة القيادة له عن تقصيره في الحفاظ على كمية و جودة طعام المطعمين من الجند، و ربما كانت مسألة فتح هكذا ملف يفضي إلى كشف حالات مستورة من الفساد الإداري سواء على مستوى القيادات العليا أو على مستوى قيادة الفوج و ضابط أمنه تحديدا ]
حين أيقنت أن الرائد لن يفعل شيئا إزاء ذلك العصيان؛ عندها قررت أن أقتنص اللحظة و أميط اللثام عن جوهر المشكلة، لعلها زعانف الرائد تتحطم و يغدو وقافا عند حده الطبيعي
رفعت يدي طالبا الأذن بالحديث، و حين سمح لي الرائد بذلك، قلت بكل هدوء و ثقة - يرافق ذلك نظرات قوية و تحديق بالرائد - قلت: في الأصل فإن العلاقة بين الجندي و القائد يجب أن تقوم وفق تلاحم و أخوة، لا أن تقوم وفق طريقة آمر و مأمور. قال - بعد برهة صمت - : صدقت، ولكن مالذي يحول دون استهتار الجندي و ألا يشتط و يرفع حاجز الانضباط بينه و بين قيادته؟
قلت له: سيادة الرائد: المعاملة بالحسنى وحدها تجعل الجندي رغما عنه ملتزما و منضبطا دونما شطط، و عدا عن ذلك فإن المثقف بثقافة عليا، تردعه ثقافته عن شطط و تفاهة و سلوك أخرق [ كنت بذلك أنبه الرائد إلى أن معالجة الأزمات لا تكون باستنزاف الجند تحت سطوة الإرهاب النفسي و المعنوي و المادي ]
التفت الرائد موجها كلامه إلى كافة العناصر - في محاولة منه الظهور بمظهر القيادي الديمقراطي - و قال: أرى أن كلام صاحب اللحية هذا صحيحا، فما تقولون أنتم ؟
- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا
إشراقة شمس 120
******
على حب و تعاضد
لم أزل أقص عليكم أيها الأحباب قصصاََ عايشتها بنفسي يوم كنت في خدمة العلم في الفوج39 إشارة - و ذلك اعتباراََ من العام 1978 إلى نهاية العام 1981 - و قد كنت أروي تلك القصص لرفيق سفري من دمشق إلى حلب و نحن في إجازة، عسانا نتناسى مشقة السفر، و قوافل الشوق و الحنين التي تعتلج في صدورنا بانتظار لقاء الأهل و الأحبة
إنها بضع حكايات، ما كنت فيها بطلاََ، بل كنت الشاهد الذي يلمح بعين البصيرة مواقع الضعف و القوة في أقوال و أفعال و أحوال شخوص تلك الحكايات - و ربما كنت في بعض تلك الحكايات بطلاََ يحمل في ثنايا صدره رسائل حب و وئام للذين لا يتعاملون معي من منطلق طائفي بغيض -
كنت قد وصلت معكم أيها الأحباب - و أنا أسرد تلك الحكايا - إلى ذاك الحوار غير المتكافئ بين جند مثقف ثار رافضاََ لضباط يسرقون طعامه، و بين ضباط لا ثقافة لهم ولا ذمة ولا ضمير، بل تميزت أفعالهم بغطرسة و فظاظة و قلة أمانة
و حين أجبت الرائد عن سؤاله حول نمط العلاقة بين الجند و القيادة كيف يجب أن تكون، رأيته و لأول مرة يتخلى - الرائد - عن عنجهيته و يستحسن إجابتي [ كان ذلك منه من قبيل محاولة الظهور بمظهر الرجل الحضاري ] و يلتفت إلى بقية الجند و يقول: إجابة صاحب اللحية هذا صحيحة، فمن منكم يرى غير ذلك؟ [ قلت: كان إذ أشار إلي بقوله: " صاحب اللحية هذا " قد أساء إلي بطريقة متعمدة لأن صدره لا يتسع لأصحاب اللحى بأي حال من الأحوال ]
كان بين الجند من يتملق للرائد، فقال: مادمت يا سيادة الرائد قد رأيت صحة كلامه فهو إذن صحيح.
و كان بينهم من يحمل تجاهي مودةََ، فقال: هاد الشيخ يحيى هو أحلى شيخ عندنا في الفوج. فقال الرائد: أنا أسأل عن الإجابة التي أجاب بها ولا أسأل عن شخصه
و قال جندي آخر : فعلاََ يا سيادة الرائد لا بد للعلاقة بين الجندي و القائد أن تبنى على أساس من الألفة و المودة
- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق