الثلاثاء، 31 مارس 2026

الإِيدْ إِلْمَا تِقْدَرْ إِتْگِزَّا بُوسَا بقلم فؤاد زاديكي

قِرَاءَةٌ فِي الْمَثَلِ الآزَخِيّ:

«الإِيدْ إِلْمَا تِقْدَرْ إِتْگِزَّا بُوسَا»

بقلم: فؤاد زاديكي

الإيدْ: اليَد
إلْمَا: التي لا
تِقْدَرْ: تَستَطِيع
إتْگِزَّا: تَعضُّهَا. گَزَّ: عَضَّ
بُوسَا: بُسْهَا. قَبِّلْهَا

يَحْمِلُ هٰذَا الْمَثَلُ الشَّعْبِيُّ الآزَخِيُّ حِكْمَةً عَمِيقَةً، تَنْبَنِي عَلَى الإِدْرَاكِ الْوَاقِعِيِّ وَالتَّصَرُّفِ الذَّكِيِّ فِي مُوَاجَهَةِ مَا يَفُوقُ قُدْرَةَ الإِنْسَانِ. فَمَعْنَاهُ الظَّاهِرُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ الْمَرْءُ عَنْ مُوَاجَهَةِ شَيْءٍ بِالْقُوَّةِ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تَقْتَضِي أَنْ يَلْجَأَ إِلَى اللِّينِ وَالْمُدَارَاةِ، تَجَنُّبًا لِلضَّرَرِ وَدَرْءًا لِلْخَطَرِ.
وَهُوَ بِذٰلِكَ دَعْوَةٌ إِلَى التَّعَقُّلِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ، لَا إِلَى الضَّعْفِ أَوِ الِاسْتِسْلَامِ؛ إِذْ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ دَائِمًا فِي الْمُوَاجَهَةِ، بَلْ قَدْ تَكُونُ فِي تَجَنُّبِهَا حِينَ تَكُونُ عَاقِبَتُهَا أَشَدَّ ضَرَرًا. فَالْإِنْسَانُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ حُدُودَهُ، وَيُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي ظِلِّهَا، فَيَحْمِي نَفْسَهُ دُونَ أَنْ يُلْقِيَ بِهَا إِلَى التَّهْلُكَةِ.

وَفِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْفَصِيحَةِ مَا يُقَارِبُ هٰذَا الْمَعْنَى، كَقَوْلِهِمْ:
«اللِّينُ يُذِيبُ الْحَدِيدَ»، فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الرِّفْقَ وَالْمُدَارَاةَ قَدْ يَكُونَانِ أَنْجَعَ مِنَ الشِّدَّةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاقِفِ.
وَفِي الْأَمْثَالِ الشَّعْبِيَّةِ، نَجِدُ مَا يُوَازِي هٰذَا الْمَعْنَى، مِثْلَ قَوْلِهِمْ:
«اللِّي مَا يِجِي مَعَكْ رُوحْ مَعُو»، وَهُوَ يُعَبِّرُ عَنْ فِكْرَةِ التَّكَيُّفِ مَعَ الْوَاقِعِ حِينَ يَتَعَذَّرُ تَغْيِيرُهُ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَتَجَنُّبًا لِلصِّدَامِ.
غَيْرَ أَنَّ هٰذَا الْمَثَلَ يَثِيرُ سُؤَالًا دَقِيقًا: أَهُوَ دَعْوَةٌ إِلَى التَّخَلِّي عَنِ الْمَبَادِئِ، أَمْ نَوْعٌ مِنَ الْمُقَاوَمَةِ الْمُقَنَّعَةِ؟
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ هُوَ مَوْقِفٌ وَسَطٌ بَيْنَهُمَا. فَقَدْ يَكُونُ «تَقْبِيلُ الْيَدِ» مَجَازًا عَنْ تَأْجِيلِ الْمُوَاجَهَةِ لَا إِلْغَائِهَا، وَعَنْ مُمَارَسَةِ نَوْعٍ مِنَ الْمُقَاوَمَةِ الذَّكِيَّةِ، الَّتِي تَتَجَنَّبُ الْخَسَارَةَ الْمُبَاشِرَةَ، رَيْثَمَا تَتَغَيَّرُ الظُّرُوفُ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَكُونُ الْمَثَلُ دَعْوَةً إِلَى الْحِكْمَةِ وَالصَّبْرِ، لَا إِلَى الِانْكِسَارِ.
وَلٰكِنَّهُ إِذَا أُخِذَ عَلَى وَجْهِهِ الظَّاهِرِ دُونَ تَمْيِيزٍ، قَدْ يَنْقَلِبُ إِلَى مَعْنًى سَلْبِيٍّ، فَيُصْبِحُ تَبْرِيرًا لِلتَّنَازُلِ عَنِ الْكَرَامَةِ وَالْمَبَادِئِ، وَعِنْدَئِذٍ يَفْقِدُ رُوحَهُ الْحِكْمِيَّةَ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ قِيمَتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ تَكْمُنُ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِخْدَامِهِ: فَإِنْ كَانَ تَصَرُّفًا مُؤَقَّتًا وَوَاعِيًا، كَانَ ضَرْبًا مِنَ التَّدْبِيرِ وَالْحِكْمَةِ، وَإِنْ غَدَا نَهْجًا دَائِمًا، تَحَوَّلَ إِلَى ضَعْفٍ وَتَفْرِيطٍ.
وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ: لَيْسَ فِي الْمَثَلِ دَعْوَةٌ إِلَى كَسْرِ الْمَبَادِئِ، بَلْ إِلَى حِفْظِ النَّفْسِ دُونَ كَسْرِهَا، وَإِلَى الِانْحِنَاءِ لِلْعَاصِفَةِ دُونَ السُّقُوطِ أَمَامَهَا. فَهُوَ مِيزَانٌ دَقِيقٌ بَيْنَ الْكَرَامَةِ وَالْبَقَاءِ، لَا يُحْسِنُ اسْتِعْمَالَهُ إِلَّا مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَبُعْدِ النَّظَرِ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الرجولة الحقة في المنزل بقلم عبدالعظيم علي عفيفي الهابط

رجاء خاص عدم زعل أي امرأة لأنني أتكلم عن الرجولة الحقة في المنزل.فالرجل الحق يحترم ويجل زوجته وأهل بيته جميعاً. محطاتي في التنمية البشرية وت...