الأربعاء، 25 مارس 2026

مزحة... تنقلب إلى جد بقلم ماهر اللطيف

مزحة... تنقلب إلى جد

بقلم: ماهر اللطيف / تونس

معصّبة العينين، مكمّمة الفم، مكبّلة المعصمين خلف ظهرها، ملقاة أرضًا على جنبها الأيسر، مقيدة الرجلين… لا تسمع سوى صوت محرك السيارة الكبيرة التي تُنقل في صندوقها الخلفي، وصوت المذياع، وأصوات خاطفيها الأربعة التي تتسلل من حين إلى آخر.

حاولت استراق السمع بما أنها لم تستطع الحراك أو رد الفعل، فانتبهت إلى أنهم يتعمدون تغيير أصواتهم حتى لا يُكشف أمرهم، غير أن لكنتهم وطريقة نطقهم لبعض الحروف خانتهم… تفاصيل صغيرة تعرفها جيدًا، وتعايشت معها طويلًا.

توقفت عند هذه الملاحظة، ثم همست في داخلها بعد تردد:
"آزر زوجي… إياد أخي الأكبر… زياد أخي الأوسط… ونادر ابني البكر…!
هل يمكن أن يكونوا هم خاطفيّ؟!
أستغفر الله… لا يمكن… ولماذا يفعلون ذلك وهم يبادلونني حبًا جمًّا؟"

بقيت تتأرجح بين الشك واليقين، إلى أن رجعت بذاكرتها إلى بداية الحادثة منذ ما يزيد عن نصف ساعة…

كانت تقف في محطة الحافلات، تنتظر وسيلة تقلّها إلى وسط المدينة لاقتناء ما يلزمها من حاجيات. كانت المحطة شبه خالية، والهدوء يلف المكان…

وفجأة، توقفت سيارة رباعية الدفع سوداء اللون بعنف أمامها، على وقع صوت مكابح حاد. نزل منها أربعة أشخاص ملثمون، هددوها بالقتل إن صرخت أو قاومت، ثم سلبوها في لحظات قدرتها على الرؤية والحركة والكلام، حتى وجدت نفسها منفصلة عن العالم تمامًا.

راحت تبكي وتتألم، لا من القيود فحسب، بل من عجزها عن فهم ما يحدث لها.
تداخلت الأفكار في رأسها: الموت، أبناؤها، بيتها، زوجها، عملها… ثم تعود إلى السؤال ذاته:
"إن كانوا هم… فمن أين لهم هذه السيارة؟ ولماذا يفعلون ذلك؟
وإن لم يكونوا هم… فمن هؤلاء؟ ولماذا أنا؟
ما الذي يريدونه مني في هذا اليوم بالذات… ذكرى زواجي الأربعين؟"

تسارعت أنفاسها، واشتد الخوف في داخلها، حتى دوّى صوت المكابح من جديد، فقطع حبل أفكارها. تحرك جسدها فجأة فاصطدم مرفقها بشيء صلب، فزادها ألمًا.

فُتح الباب الخلفي بسرعة، وصوت خشن يأمرها:

– ستمضين على ورقة حالًا، دون مقاومة أو نقاش، إن أردتِ الحفاظ على حياتك.

فُكّ قيد يديها، لكنها لم تشعر بهما لوهلة من شدة التنميل، ثم أُمسكت يدها ووُضع القلم بين أصابعها، ودُلّت على مكان التوقيع.

صوت آخر، متردد هذه المرة:

– لا يمكنني المشاركة في هذه الجريمة… سأبلغ الشرطة.

صوت ثالث، حازم:
– أكمل عملك… لا تنكث عهدك.

ثم ضحكة خفيفة أعقبتها عبارة مقتضبة:
– تمّ الأمر.

ساد صمت ثقيل، أعيدت خلاله قيودها كما كانت، ثم تحركت السيارة من جديد.

بعد لحظات، أُجبرت على النزول والمشي أمتارًا وهي تُقاد من يديها. سُمِع صوت مفتاح في باب، ثم خطوات في مكان يبدو خاليًا… صدى يتحرك معها.

لم يطل الأمر حتى شعرت بمن يفك قيودها واحدًا تلو الآخر، وينزع الكمامة والعصابة، ثم يبتعد مسرعًا.
فتحت عينيها ببطء، متألمة من الضوء…
نظرت حولها: لا أحد.
كانت في منزل جديد، جميل، لكنه خالٍ تمامًا.

تحركت بحذر، وبدأت تفتح الأبواب واحدًا تلو الآخر… غرف فارغة، جدران نظيفة، صمت يثير القلق أكثر مما يبعث الطمأنينة.

اقتربت من النافذة، فرأت مباني شاهقة وبيوتًا متشابهة، فعاد إليها إحساس الغربة من جديد.
كادت أن تستغيث، لولا أنها لمحت ورقة ملقاة على الأرض.
أسرعت نحوها، التقطتها بيد مرتجفة، وقرأت… ثم أعادت القراءة، وقد بدأ صوتها يخرج متقطعًا:
"هذا… غير معقول…
عقد شراء… لهذا المنزل… باسمي؟
وهذا… توقيعي… نعم… لقد أمضيته منذ حين… قسرًا… وهذا ختم المحامي الذي أشّر على البيعة"

في تلك اللحظة، فُتح الباب الرئيسي بقوة.
دخل آزر، يتبعه نادر وزياد وإياد، وهم يضحكون ويغنون:
"كل عام وأنتِ بخير يا أحلى خدوجة!"

وقفت تنظر إليهم، بين الذهول وعدم التصديق، بينما راحوا يقصّون عليها تفاصيل ما قاموا به، وكيف خططوا لهذه “المفاجأة” لتكون هدية لا تُنسى في ذكرى زواجها الأربعين.
وأضاف آزر مبتسمًا:

– حتى السيارة كانت لصالح صديقي المحامي الذي سهر على كل تفاصيل العملية…

فجأة، اقتحم أعوان الأمن المكان، وألقوا القبض على الجميع.
بقيت واقفة في مكانها، تنظر إليهم… ثم إلى الورقة في يدها… ثم إلى البيت من حولها…

وهمست، بصوت خافت اختلط فيه الذهول بشيء آخر:
"أيُعقل… أن تتحول الهدية… إلى تهمة؟"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

سجين الغرام بقلم احمد محمود

سجين الغرام في زنزانة حب     مطلية بلون احمر وحبي ليها يوماتي     يزيد من شوقي وبيكبر والجاني هوا سجاني    وعل الجاني ...