الثلاثاء، 31 مارس 2026

المًلِكَةُ أسمَاءٌ بِنتُ شِهَابٍ الصَّلِيحِيّةُ بقلم فُؤاد زادِيكِي

بقلم: فُؤاد زادِيكِي
(٢)

1. المًلِكَةُ أسمَاءٌ بِنتُ شِهَابٍ الصَّلِيحِيّةُ

تُعَدُّ المَلِكَةُ أَسْمَاءُ بِنْتُ شَهَابٍ الصَّلِيحِيَّةُ مِنْ أَوَّلِ النِّسَاءِ الْيَمَنِيَّاتِ اللَّوَاتِي شَارَكْنَ الْحُكْمَ رَسْمِيًّا، إِذْ تَوَلَّتْ شُؤُونَ الدَّوْلَةِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مَعَ زَوْجِهَا الْمَلِكِ عَلِيِّ الصَّلِيحِيِّ خِلَالَ مُنْتَصَفِ القَرْنِ الْحَادِي عَشَرَ الْمِيلَادِيِّ، تَقْرِيبًا فِي الْفَتْرَةِ مِنْ 1047 إِلَى 1067م. كَانَتْ لَهَا مَكَانَةٌ مَرْمُوقَةٌ لِدَرَجَةٍ أَنَّ اسْمَهَا كَانَ يُذْكَرُ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ مَا يُعَدُّ عَلَامَةً عَلَى السِّيَادَةِ وَالاعْتِرَافِ الرَّسْمِيِّ بِدَوْرِهَا فِي الدَّوْلَةِ. وَقَدْ سَاهَمَتْ فِي تَرْسِيخِ أُسُسِ الْحُكْمِ الْمَرْكَزِيِّ وَنِظَامِ الْإِدَارَةِ فِي الدَّوْلَةِ الصَّلِيحِيَّةِ، مُمَهِّدَةً الطَّرِيقَ لِابْنَتِهَا أَرْوَى الَّتِي سَتُصْبِحُ لَاحِقًا مِنْ أَعْظَمِ مَلِكَاتِ الْيَمَنِ. وَقَدِ امْتَازَ حُكْمُ أَسْمَاءَ بِالْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَحَرَصَتْ عَلَى تَعْزِيزِ اسْتِقْرَارِ الدَّوْلَةِ وَنَقْلِ السُّلْطَةِ بِأُسْلُوبٍ سَلِسٍ إِلَى الْجِيلِ التَّالِي.

2. المَلِكَةُ أرزَى بنتُ احمَدَ الصَّلِيحِيَّةُ

تُعَدُّ أَرْوَى بِنْتُ أَحْمَدَ الصَّلِيحِيَّةِ أَعْظَمَ مَلِكَةٍ فِي تَارِيخِ الْيَمَنِ، فَقَدْ حَكَمَتِ الدَّوْلَةَ الصَّلِيحِيَّةَ لِفَتْرَةٍ تَجَاوَزَتْ الْخَمْسِينَ سَنَةً، مُنْذُ عَامِ 1086م وَحَتَّى وَفَاتِهَا فِي 1138م. وَقَدْ جَمَعَتْ فِي حُكْمِهَا بَيْنَ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ الْفِعْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ، حَيْثُ كَانَتِ الْحَاكِمَةُ الْوَحِيدَةُ فِي الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ آنَذَاكَ، الَّتِي ذُكِرَ اسْمُهَا فِي الْخُطْبَةِ، وَهُوَ رَمْزٌ عَلَى الْاعْتِرَافِ بِسِيَادَتِهَا الْكَامِلَةِ. نَقَلَتْ الْمَلِكَةُ أَرْوَى الْعَاصِمَةَ إِلَى مَدِينَةِ جَبَلَةَ، وَأَسَّسَتْ مُؤَسَّسَاتٍ إِدَارِيَّةً وَدِينِيَّةً قَوِيَّةً، وَأَعَادَتْ هَيْكَلَةَ الْجَيْشِ وَالْحُكْمِ الْمَحَلِّيِّ، لِتُصْبِحَ الدَّوْلَةُ الصَّلِيحِيَّةُ نَمُوذَجًا لِلْإِدَارَةِ الْمَرْكَزِيَّةِ الرَّشِيدَةِ. وَوَصَفَهَا الْمُؤَرِّخُونَ بِالذَّكَاءِ وَالْفَطْنَةِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى اتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ الْمُصِيرِيَّةِ، وَكَانَتْ تُمَثِّلُ ذُرْوَةَ تَمْكِينِ الْمَرْأَةِ فِي الْيَمَنِ وَالْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ. وَقَدْ تَرَكَتْ إِرْثًا سِيَاسِيًّا وَثَقَافِيًّا بَارِزًا، جَعَلَهَا رَمْزًا لِلْقِيَادَةِ النِّسَائِيَّةِ الْقَوِيَّةِ.

3. السّيِّدَةُ الحُرَّةُ

تُشِيرُ بَعْضُ الْمَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ إِلَى وُجُودِ شَخْصِيَّةٍ تُعْرَفُ بِاسْمِ السِّيدَةِ الْحُرَّةِ فِي فَتْرَةِ حُكْمِ الدَّوْلَةِ الصَّلِيحِيَّةِ، وَكَانَتْ تُمَثِّلُ رَمْزًا لِلْمَرْأَةِ ذَاتِ السُّلْطَةِ وَالنُّفُوذِ السِّيَاسِيِّ. وَرَغْمَ قِلَّةِ الْمَعْلُومَاتِ الدَّقِيقَةِ عَنْهَا، إِلَّا أَنَّ الْمَصَادِرَ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ حُضُورَهَا السِّيَاسِيَّ كَانَ فَاعِلًا، وَقَدْ شَارَكَتْ فِي صُنْعِ الْقَرَارِ عَلَى مُسْتَوَى مَنَاطِقَ وَاسِعَةٍ فِي الْيَمَنِ، خُصُوصًا فِي تَهَامَةَ وَالْمَنَاطِقِ الْمُحِيطَةِ بِمَرْكَزِ الدَّوْلَةِ. وَيُعْتَقَدُ أَنَّ لَقَبَهَا "الْحُرَّةُ" يَرْمُزُ إِلَى اسْتِقْلَالِهَا السِّيَاسِيِّ وَقُدْرَتِهَا عَلَى مُمارَسَةِ الْحُكْمِ دُونَ تَدَخُّلٍ مِنَ الذُّكُورِ، مَا يَجْعَلُهَا مِثَالًا عَلَى نُفُوذِ الْمَرْأَةِ فِي عَصْرٍ لَمْ تَكُنْ فِيهِ عَادَةً النِّسَاءُ فِي مَرَاكِزِ السُّلْطَةِ.

4. بِالإضَافَةِ إِلَى الْمَلِكَةِ أَرْوَى وَأَسْمَاءَ بِنْتِ شَهَابٍ، تُشِيرُ النُّقُوشُ وَالْمَصَادِرُ التَّارِيخِيَّةُ إِلَى نِسَاءٍ أُخْرَيَاتٍ، كُنَّ يَشَارِكْنَ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ. فَقَدْ كَانَتْ بَعْضُ النِّسَاءِ مِنَ الأُسْرَةِ الْحَاكِمَةِ يَتَمَتَّعْنَ بِمَكَانَةٍ قَوِيَّةٍ فِي إِدَارَةِ الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ وَالْعَسْكَرِيَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي الإِشْرَافِ عَلَى الْقَوَانِينِ وَالْمَوَارِيثِ، مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى اسْتِقْرَارِ الدَّوْلَةِ. وَيَظْهَرُ مِنَ السِّجِلِّ التَّارِيخِيِّ أَنَّهُنَّ لَمْ يَكْتَفِينَ بِالدَّوْرِ الرَّمْزِيِّ، بَل كُنَّ يَتَحَكَّمْنَ فِي مَفَاصِلِ الْحُكْمِ، وَيَقُمْنَ بِالدَّوْرِ الْفَعْلِيِّ فِي قِيَادَةِ الدَّوْلَةِ وَالتَّدَخُّلِ فِي شُؤُونِ السِّيَاسَةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ، مَا يَعْكِسُ عُمقَ إِدْرَاكِ الْمُجْتَمَعِ الْيَمَنِيِّ لِتَقْدِيرِ قُدُرَاتِ الْمَرْأَةِ فِي مَوَاقِعِ الْقِيَادَةِ.

يُمْكِنُ القَولُ: إِنَّ التَّارِيخَ الْيَمَنِيَّ يُقَدِّمُ لَنَا نَمُوذَجًا فَرِيدًا لِلْقِيَادَةِ النِّسَائِيَّةِ عَبْرَ أَسْمَاءَ بِنْتِ شَهَابٍ الصَّلِيحِيَّةِ، أَرْوَى بِنْتِ أَحْمَدَ الصَّلِيحِيَّةِ، وَالسِّيدَةِ الْحُرَّةِ، وَأُخْرَى لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُنَّ الْكَثِيرُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الدَّقِيقَةِ. فَقَدْ أَثْبَتَتْ هَؤُلَاءِ النِّسَاءُ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَادِرَةٌ عَلَى تَوَلِّي الْحُكْمِ وَاتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ الْمُصِيرِيَّةِ بِنَفْسِ كَفَاءَةِ الرَّجُلِ، وَأَنَّ التَّارِيخَ الْيَمَنِيَّ لَمْ يَعْرِفْ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنَ الْحُدُودِ أَمَامَ طُمُوحِهَا السِّيَاسِيِّ وَالثَّقَافِيِّ. وَمِنْ خِلَالِ دِرَاسَةِ هَذِهِ الْمَلِكَاتِ، نُدْرِكُ أَنَّ دَوْرَ الْمَرْأَةِ فِي الْيَمَنِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ ظِلٍّ لِلرَّجُلِ، بَل كَانَ حُضُورًا فَاعِلًا وَمُؤَثِّرًا عَلَى مَسَارِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ إِرْثٌ يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَيْهِ بِفَخْرٍ وَإِعْجَابٍ، وَيُمَثِّلُ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ لِفَهْمِ تَارِيخِ الْيَمَنِ السِّيَاسِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

كارثة لغوية بقلم نور شاكر

كارثة لغوية  قصة قصيرة  بقلم: نور شاكر  في ممر كلية الهندسة بجامعة العلوم والتكنولوجيا، المزدحم بالطلاب والحركة، كان الأستاذ جهاد أستاذ اللغ...