بقلم:ماهر اللطيف /تونس
كان الشيخ سالم معروفا في القرية بحسن خلقه وأخلاقه،تربيته واحترامه للصغير قبل الكبير ،حيائه غير المحدود وغيرها من الخصال التي شحت في مجتمعنا العربي المعاصر .
مع ذلك ،كان طاعنا في السن إذ تجاوز الثمانين سنة،وحيدا يسكن في بيت قديم آيل للسقوط تبرع به له أحد المتصدقين ما إن حل الشيخ سالم بهذه القرية من عقود ولم يعرف له أصل ولا فصل كما نقول،يعيش على الصدقات والتسول أحيانا ،يأكل يوما ويجوع آخر،لكنه لم يقترف أي حرام كالسرقة أو افتكاك ممتلكات الناس.
كان مبتسما في وجه كل من يتقاطع معه،مرحبا به،حامدا وشاكرا لله على حاله ووضعيته،مخفيا جراحه وآلامه التي لا يشعر ويحس بها وبعمقها غيره،متحملا ما يستعمره من وهن ووجع،فاقة وحاجة،رغبة وأحلام،محبوبا لدى الأطفال الذين كانوا يتمتعون بالتخاطب معه حتى سأله أحدهم يوما لماذا يسكن وحده هنا،فأجابه باقتضاب بعد تفكير ومسح على رأسه "لأن بعض القلوب يا بني تضيع الطريق إلى أصحابها"...
وفي يوم مشهود لن ينساه أهل هذه القرية ، توقفت سيارة فخمة جدا أمام المقهى ،انخفض بلور السيارة ليبرز وجه فتاة جميلة جدا انبعث منها روح فاتن وجذاب لم يتعود عليه رواد المقهى،وبجانبها طفل صغير،أنيق المنظهر وجميل الوجه أيضا ، قالت بصوتها الشجي الرنان والجميع مشدوها وغير مصدق لما يرى ويسمع:
- من فضلكم ،هل تدلوني على مسكن سالم عبدالرحمن ؟
- (الكل يتساءل عن صاحب هذا الإسم ،حين رد عمدة القرية بصوته الخشن المقزز) لا يوجد بيننا هذا الإسم بنيتي
- (مصدومة وقد تضاعفت دقات قلبها) قيل لي إنه يقيم في هذه المنطقة منذ غادرنا منذ سنوات.
- (بعد تشاور وتدقيق في تاريخ إقامة السكان وأسمائهم) آه، أظنك تقصدين الشيخ سالم. (اقترب منها وهو يشير لها إلى منزل الشخص المقصود،نزل درجات إلى أن بات مجاورا إلى السيارة) اتبعيني بنيتي.
ما هي إلا ثواني حتى ربضت السيارة أمام المنزل،طرق العمدة الباب بقوة وهو يصيح بأعلى صوته "يا شيخ سالم،افتح لديك ضيفة"، أعاد الطرق ثانية،ثالثة دون جدوى،مما أثار قلقه وقلق مرافقته وبقية زوار المقهى الذي هرعوا إلى المكان مستفسرين عن وضعية الشيخ سالم.
وأمام هذه الوضعية،تقرر خلع الباب المهترئ أصلا خشية وقوع مكروه ما لساكن هذا المقر،تمت العملية بسرعة ودخل الجميع مسرعين والفتاة تذرف الدموع وتحضن ابنها في انتظار سماع خبر عن الشخص المفقود.
بعد لحظات ،خرج العمدة متبوعا ببقية الناس وقد تغيرت ملامح وجوههم ومالت إلى الزرقة والشحوب ، وأعلم مخاطبته أنهم لم يعثروا عليه في أي مكان ،الشيء الذي زاد من حيرتها وندمها على تأخرها وارتجاف بدنها .
انهارت بعد أن تنحت عن السيارة،جلست على ركبتيها،بكت بحرقة وهي تندب خدها وتضرب فخذيها بقوة وهي تردد:
- أبي،أين أنت أيها العزيز؟ تعبت في البحث عنك ،وحين وجدتك اختفيت!؟ أبي ،أبي ، أبي...(انهارت وأغمي عليها،فتم الاعتناء بها من طرف ممرض القرية وابنها يمسكها ويبكي ويصيح طالبا منها الاستفاقة)
ما إن استعادت وعيها وهدأت حتى أجابت السائلين إنها سالمة الابنة الصغرى لسالم عبدالرحمن الرجل الثري المقيم في العاصمة ،صاحب المشاريع العملاقة ،أخت المقتنع بالله الإبن البكر و الواثق بالله الإبن المتوسط،ابنة الحاجة زهرة الاسلام التي تحدت المرض سنوات عديدة وأجرت عمليات شتى داخل الوطن وخارجه من أجل القضاء على ورم خبيث ألم بها في معدتها قبل أن ينتشر في جسدها ويقضي عليها أخيرا رغم كل المحاولات الهادفة للانتصار عليه.
حزن سالم واعتكف في قصره يرثيها،يبكيها،يتذكرها في كل مكان وزمان بما أنه تربطه بها قصة حب شديدة لأكثر من ثلاثة عقود، إلى أن أهمل أعماله وشؤونه،فاستغل المقتنع بالله الموقف وأصدر حكما قضائيا يقضي بالحجر على ممتلكات العائلة وحجب الثقة عن والده في خطوة لم تخطر على بال الشيطان نفسه كما قالت سالمة .
ازداد حزن سالم وصدمته ، أضرب عن الطعام والكلام ،ضعف جسده ووهن،ترك القصر مرارا وتكرارا محاولة منه للهرب لكن أولاده أرجعوه قسرا،إلى أن تمكن أخيرا من الاختفاء ولم يعثر عليه أحد إلى يومنا هذا ،بل إن المقتنع بالله والواثق بالله لم يبحثا عنه كثيرا قبل أن يقول الإبن البكر "ارتحنا منه ومن مشاكله التي لا تحصى ولا تعد"،بينما خصصت سالمة حياتها للبحث عنه رغم تهديد زوجها ووعيده،طلاقها منه،عدم التحاق علي ابنها بالدراسة لاحقا من أجل العيش مع والدته وتسخير وقتهما للبحث عن جد لم يره ولم يعرفه البتة،لكنه أحبه من حديث أمه عنه.
مرت السنوات وهي تجوب المدن والقرى،تسأل القاصي والداني عن نور قلبها كما يحلو لها تسميته، دون جدوى،إلى أن عثرت عليه أخيرا حين لاقت أحد سكان هذه القرية في العاصمة صدفة في مركز أمن وكانت تسأل هناك عن جديد البحث عن والدها،فسألته "نور قلبها" بعد أن وصفته له وأجابها أنه يعرفه حق المعرفة ودلها على هذه القرية.
في الأثناء كان أخواها يعبثان بالممتلكات والمشاريع،يغدقان على أنفسهما من أجل الشهوات والملذات ونحوها،تراجعت المداخيل وأفلست معظم المشاريع،كثرت شكاوى ضحاياهما منهما ومن تصرفاتهما إلى أن ألقي القبض على الإبن البكر بتهمة الإتجار في المخدرات...
مازالت تسرد حكايتها حتى قدم أحدهم صائحا وهو يجري " اجر يا عمدة،أنقذ الشيخ سالم،قُبض عليه وهو يحاول الهرب من قريتنا إلى المدينة المجاورة".
تنقلت بسرعة إلى المكان المذكور صحبة العمدة وبعض مرافقيه ،أوقفت سيارة الشرطة بسرعة وطلبت بلطف من الأعوان تمكينها من الحديث مع والدها. لم يعرفها في البداية بحكم قهر الزمان والمكان والإنسان والخرف الذي لازمه وتقدمه في السن ،أصرت على احتضانه وتقبيله من كل مكان ،عرّفته على حفيده وهي تمسح جبينه من أتربة الطريق،ابتسم في وجهها وقال بصوت خافت قليلا:
- أتيت متأخرة جدا بنيتي،نال مني التعب والمرض ،أشعر بالنهاية الوشيكة. (يبتلع ريقه) أنا راض عنكم جميعا رغم كل شيء..."
تضع يدها على فمه وهي تبكي بقوة ،وعون الأمن يطلب منها الابتعاد عنه لنقله إلى العاصمة مصدر بطاقة التفتيش،تقبله قبلة أخيرة قبل أن تتوارى السيارة عن الأنظار وسالمة تقتفي أثرها للتنازل على بلاغ الضياع واسترجاع والدها،لكن القدر كان أسرع منها ،فقد التحق الشيخ سالم بزهرة الإسلام قبل أن تقله سيارة الشرطة إلى مركز الأمن، فحولت طريقها إلى مشفى المدينة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق