هناك خلف النافذة خيبة امرأة ، خدها يلتصق بزجاجها تلسعه برودة تجعله في خدر ، أبخرة أنفاسها تتكاثف على ذلك الزجاج ، ترسم بأصبعها فوق تلك الأبخرة ترسم خطوط متوازية مائلة متوالية ، سرعان ماتهطل فوق بعضها البعض كأنها ما كانت ، تحدق في شيءٍ لا يُرى وكأنها تحاول أن تجد في البعيد جواباً لم يأتِ في وقته.
ثم قالت دون أن تلتفت :
ولو كنتَ تعلم هل كنتَ ستبقى ؟
ساد الصمت الصمت الذي يجعل كل كلمة لاحقة تبدو متأخرة
ليس صمتاً عادياً صمت الذي يُشبه اعترافاً مؤجلاً أو جرحاً لم يُسمح له أن ينزف ، صمت ولم يحاول أي منهما إنقاذه .
اقترب منها قليلاً ثم توقف ، كأن المسافة بينهما لم تعد تُقاس بخطوات بل بأعوام من الفقد وسوء الفهم .
وقال :
لو كنتُ أعلم ، هل كنتُ سأرحل؟
قالها بصوتٍ مكسور كأنه لا يسألها بقدر ما يسأل ما تبقى منه .
توقف كل شيء ، حتى أنه لم يعد يعرف إن كانت لحظة أم عمر كامل توقف فيه الزمن بينهما لحظة قصيرة تلك اللحظة التي لا تُقاس بالثواني بل بما تحمله من ندم متأخر .
ـ كنتُ أظنّ أن الرحيل حلّ ........
قالها وهو يبتلع بقايا صوته .
أجابت بهدوءٍ مُرهق :
وأنا كنتُ أظن أنك ستعود قبل أن يتحول الغياب إلى نزف لا يموت .
التفتت إليه أخيراً ، لم تكن النظرة قاسية بل كانت خالية من كل شيء ، لم يعد فيها لوم ولا عتاب ولا حتى شوق فقط هدوء بارد يشبه نهاية أبدية .
تعرف؟
أضافت..... وهي تُخفض عينيها قليلاً
المشكلة لم تكن في أنك رحلت بل في أنك تأخرت في فهم لماذا فعلت .
ابتسم ابتسامة باهتة تلك التي تأتي حين يدرك الإنسان أنه خسر كل شيء .
ولو عاد بي الوقت.......قالها ، ثم سكت.
قاطعته بنبرةٍ خفيفة :
الوقت لا يعود نحن فقط نعود لنقف أمام وجعنا بشكلٍ أوضح .
ابتعدت عن النافذة ومضت نحو الباب.......مرّت بجانبه دون أن تلامسه ، كما لو أن بينهما تاريخاً لا يجوز لمسه.
وقبل أن تغلق الباب توقفت لحظة ، ثم قالت :
أحياناً........ لا نحتاج أن نعرف ماذا كان سيحدث لو بقينا
يكفي أننا رحلنا .
خرجت ......وبقي هو لا مع الندم فقط، بل مع ذلك السؤال الذي لن يجد له جواباً أبداً لو كان يعلم… هل كان رحل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق