الثلاثاء، 14 أبريل 2026

سِانْ طَوِيلْ وعِلِّهْ فِي الرِّكَبْ بقلم فُؤَادُ زَادِيكِي

قِرَاءةٌ في المَثَلِ الشّعبٍيّ الآزَخِيِّ

[سِانْ طَوِيلْ وعِلِّهْ فِي الرِّكَبْ]

فُؤَادُ زَادِيكِي

يُعَدُّ المَثَلُ الشَّعْبِيُّ الآزَخِيُّ «سِينْ طَوِيلْ وَعِلَّهْ فِي الرِّكَبْ» مِنَ التَّعْبِيرَاتِ الدَّارِجَةِ العَمِيقَةِ، الَّتِي تَحْمِلُ صُورَةً بَلَاغِيَّةً قَوِيَّةً وَدَلَالَةً نَقْدِيَّةً لَاذِعَةً، حَيْثُ يُسْتَعْمَلُ لِوَصْفِ شَخْصٍ يَجْمَعُ بَيْنَ كَثْرَةِ الكَلَامِ وَسُوءِ التَّدَخُّلِ فِي شُؤُونِ غَيْرِهِ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ مَصْدَرَ إِزْعَاجٍ وَعِبْءٍ عَلَى مَنْ حَوْلَهُ. فَكَلِمَةُ «سِين» أَوْ «سِان» بإمالة الألف فِي اللَّهْجَةِ تَدُلُّ عَلَى اللِّسَانِ، وَوَصْفُهُ بِالطُّولِ يُشِيرُ إِلَى الجُرْأَةِ وَالإِفْرَاطِ فِي القَوْلِ، أَمَّا «العِلَّةُ» فَهِيَ المُصِيبَةُ أَوِ الدَّاءُ المُزْمِنُ، وَ«فِي الرُّكَبِ» تَصْوِيرٌ لِمَوْضِعِ الأَلَمِ الَّذِي يُعِيقُ الحَرَكَةَ وَيُثْقِلُ الجَسَدَ، فَيَغْدُو المَعْنَى أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ، عَلَى رَغْمِ انْطِلَاقِ لِسَانِهِ وَتَدَخُّلِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَيْسَ إِلَّا عِلَّةً مُزْعِجَةً تُعَطِّلُ سَيْرَ الأُمُورِ وَتُتْعِبُ مَنْ حَوْلَهُ.
وَتَتَجَلَّى قُوَّةُ هَذَا المَثَلِ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ صِفَتَيْنِ سَلْبِيَّتَيْنِ: طُولِ اللِّسَانِ وَثِقَلِ الوُجُودِ، فَلَا يَكْتَفِي بِوَصْفِ الإِنْسَانِ بِأَنَّهُ ثَرْثَارٌ أَوْ فَظٌّ، بَلْ يَرْفَعُ الحُكْمَ إِلَى مَرْتَبَةِ التَّحْذِيرِ مِنْ شَخْصٍ يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ وُجُودُهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ مُشْكِلَةً مُسْتَمِرَّةً. وَلِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ هَذَا المَثَلُ فِي الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ عِنْدَمَا يَكُونُ هُنَاكَ مَنْ يَتَدَخَّلُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ، أَوْ يُعَلِّقُ عَلَى كُلِّ تَفْصِيلٍ دُونَ طَلَبٍ، أَوْ يَتَسَبَّبُ بِكَلَامِهِ فِي خِلَافَاتٍ وَتَوَتُّرَاتٍ سَوَاءٌ فِي العَمَلِ أَوْ العَائِلَةِ أَوِ المُجْتَمَعِ. وَفِي ذَلِكَ رِسَالَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ وَاضِحَةٌ مُؤَدَّاهَا أَنَّ اللِّسَانَ إِذَا لَمْ يُضْبَطْ بِالحِكْمَةِ تَحَوَّلَ إِلَى أَدَاةِ أَذًى، وَأَنَّ قِيمَةَ الإِنْسَانِ لَا تُقَاسُ بِكَثْرَةِ كَلَامِهِ بَلْ بِرَصَانَتِهِ وَحُسْنِ تَدَبُّرِهِ.

وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى أَمْثَالٍ عَرَبِيَّةٍ أُخْرَى، وَجَدْنَا تَعَابِيرَ مِثْلَ «لِسَانُهُ طَوِيلٌ» أَوْ «لِسَانُهُ مَا عَلَيْهِ رَقِيبٌ» فِي بِلَادِ الشَّامِ، وَ«لِسَانُهُ يُوَدِّيهِ فِي دَاهِيَةٍ» فِي مِصْرَ، وَ«اللِّي يِهْدَرْ بِزَافْ يِغْلَطْ بِزَافْ» فِي المَغْرِبِ العَرَبِيِّ، وَ«كَلَامُهُ وَاجِدٌ وَفِعْلُهُ صِفْرٌ» فِي الخَلِيجِ، وَكُلُّهَا تَتَّفِقُ عَلَى ذَمِّ كَثْرَةِ الكَلَامِ وَعَدَمِ ضَبْطِهِ، لَكِنَّهَا لَا تَبْلُغُ فِي الغَالِبِ صُورَةَ «العِلَّةِ» الَّتِي يُقَدِّمُهَا المَثَلُ الآزَخِيُّ. وَفِي الثَّقَافَاتِ العَالَمِيَّةِ أَيْضًا نَجِدُ مَا يُقَارِبُ هَذَا المَعْنَى، كَقَوْلِهِمْ بِالإِنْجِلِيزِيَّةِ «Big mouth» أَوْ «Loose lips sink ships»، وَبِالإِسْبَانِيَّةِ «En boca cerrada no entran moscas»، وَهِيَ كُلُّهَا تُحَذِّرُ مِنْ عَوَاقِبِ الكَلَامِ غَيْرِ المَحْسُوبِ.
وَفِي اللُّغَةِ الأَلْمَانِيَّةِ، وَخَاصَّةً فِي اللُّهَجَاتِ الجَنُوبِيَّةِ كَبَادِن - فُورْتِمْبِيرْغ، يُسْتَعْمَلُ التَّعْبِيرُ «Grosser Gosch» لِلإِشَارَةِ إِلَى شَخْصٍ ذِي فَمٍ «كَبِيرٍ» بِالمَعْنَى المَجَازِيِّ، أَيْ كَثِيرِ الكَلَامِ، جَرِيءِ اللِّسَانِ، مُتَدَخِّلٍ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَهُوَ يُقَارِبُ جُزْءَ «سِينٍ طَوِيلٍ» مِنَ المَثَلِ، لَكِنَّهُ لَا يَنْقُلُ بِالضَّرُورَةِ مَعْنَى «العِلَّةِ فِي الرُّكَبِ» الَّذِي يُضِيفُ بُعْدًا أَعْمَقَ يَتَعَلَّقُ بِالثِّقَلِ وَالإِزْعَاجِ المُسْتَمِرِّ، وَكَأَنَّ المَثَلَ الآزَخِيَّ فِي مُجْمَلِهِ يَقُولُ: هُوَ ذُو لِسَانٍ طَوِيلٍ، وَلَكِنَّهُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ عِبْءٌ حَقِيقِيٌّ لَا يُحْتَمَلُ.
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذَا المَثَلَ لَيْسَ مُجَرَّدَ وَصْفٍ لِشَخْصٍ ثَرْثَارٍ، بَلْ هُوَ تَصْوِيرٌ بَلَاغِيٌّ مُرَكَّبٌ لِإِنْسَانٍ يَجْمَعُ بَيْنَ سُوءِ القَوْلِ وَثِقَلِ الحُضُورِ، حَتَّى يُصْبِحَ كَالأَلَمِ المُزْمِنِ، الَّذِي يُعِيقُ الحَرَكَةَ وَيُفْسِدُ الرَّاحَةَ، وَهُوَ مَا يَجْعَلُهُ مِنْ أَقْوَى الأَمْثَالِ الشَّعْبِيَّةِ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ النَّقْدِ الاِجْتِمَاعِيِّ بِأُسْلُوبٍ مُكْثَفٍ وَمُؤَثِّرٍ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

قالت له والعبرات تخنقها بقلم فلاح مرعي

قالت له والعبرات تخنقها   وقد اختلطت الأنفاس بالزفرات والدمع سال على الوجتين   من المآقي  وقد وشح جور ي الوجتين بالسواد اتقبل أن تكون في الح...