الأربعاء، 15 أبريل 2026

اللحظة الحاسمة بقلم ماهر اللطيف

اللحظة الحاسمة

بقلم :ماهر اللطيف /تونس

اقتربنا منها مسرعين. لم نفكر… فقط تحركنا.
قفز فهد وأمسك بها في اللحظة الأخيرة، جذبها بعنف إلى الخلف. سقطت على ظهرها، وارتطم رأسها بالأرض. انقطع صوتها فجأة، وكادت تغيب عن الوعي.

تراجعنا خطوة… وقد تسلّل الرعب إلى وجوهنا.
فتحت عينيها بصعوبة. كان وجهها شاحبًا كأن الدم هجره منذ زمن. طلبت ماءً. ارتجفت يدها وهي تمسك الكأس. ثم قالت بصوت مكسور:

"لماذا…؟ لماذا منعتموني؟
كنت سأرمي نفسي… وأنتهي. أنا لا أجيد السباحة… كنت سأرتاح."

لم نُجب.
ساعدناها على الجلوس على حافة ممشى الجسر. كانت تتنفس كأنها خارجة من غرقٍ مؤجل.
قالت بعد صمت: 

– انتهت حياتي… لم يعد هناك ما يُخيف.

قلت بهدوء: 
– لا تقولي ذلك… اذكري الله. لا شيء يستحق أن نخسر كل شيء من أجله.

نظرت إليّ نظرة قاسية، وقالت: 
– من يده في النار… لا يفهمه من يده في الماء.

ابتلعت كلماتي… ثم قلت: 
– صحيح… لكن لا نُسلّم أنفسنا للنار.

أدارت وجهها عنا.
وساد صمت ثقيل… قطعه أذان الظهر.
بعدها… بدأت الحكاية التي استمدتها من ذاكرتها:

تزوجت منذ عشر سنوات من حب عمرها.
كانت الحياة تضحك لها.
أنجبت سمر وسمير.
كبرت العائلة… وكبر معها الحلم.
ثم… سقط كل شيء دفعة واحدة.
سرطان الثدي.
قالت الكلمة وكأنها ما زالت تسمع صداها داخلها.
حاربت.
خضعت للجراحة.
تجرّعت الألم… جرعة بعد أخرى.
سنتان ونصف… وهي تقاتل لتبقى.
وبقيت.
لكن…
لم تبقَ كما كانت.
خسرت عملها.
خسرت توازنها.
خسرت قدرتها على أن تكون “كما يريدها الجميع”.
أما رئيف…
فكان في البداية سندًا.
ثم… صار شاهدًا.
ثم… صار قاضيًا.
ومنذ أسبوعين… جاء الحكم.
استدعاء إلى المحكمة.
سألته… أنكر.
ذهبت… فوجدته هناك.
واقفًا… باردًا… غريبًا.
طلب الطلاق.
“للضرر”.
الضرر… كان مرضها.
والدليل… جسدها.
والشهود… تقارير.
توسلت إليه.
بكت.
تعلّقت بما تبقى.
لكنه كان قد قرر.
بل… طالب بالأطفال.
القاضي حاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه…
لكنه أصرّ على الهدم.
خارج المحكمة… سقط القناع.
شتمها.
هددها.
منعها من العودة إلى البيت.
ثم قالها ببرود قاتل:
"سأتزوج… فتاة شابة. تعوضني."

صمتت ميس لحظة…
ثم انهارت من الداخل.

– نجوتُ من الموت… لأُقتل وأنا حيّة.
انحنى رأسها.

– أنا يتيمة… لا أحد لي. حتى نفسي خذلتني اليوم.
ساد صمت ثقيل.

ثم رفعت عينيها نحو النهر… كأنها تبحث عن نهاية لا وجع فيها.

همست:
– كان هذا أسهل…

فهمنا كل شيء… متأخرين.
أنا، وفهد، وسعيد، وعبد العزيز…
كنا في طريقنا إلى المقهى…
ككل يوم.
لكنها لم تكن “ككل يوم”.

سكتنا معها طويلًا. حاولنا تهدئتها، لا إقناعها فقط، بل إنقاذ ما يمكن إنقاذه داخلها.
بعد لحظات… بدأت تبكي.
بكاءً لم يكن ضعفًا… بل انهيار جدار كامل.

قالت بين دموعها:
 – لا أريد أن أموت… لكنني لا أعرف كيف أعيش هكذا.

نظرنا إلى بعضنا.
ولأول مرة…
لم نكن شهودًا على موت محتمل…
بل على حياة… تحاول أن تبدأ من جديد.
قلنا لها بصوت واحد تقريبًا:
 – ستتعلمين.

لم تكن متأكدة.
لكنها... لم تقفز.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الإستسلام ★ (:24:) بقلم علوي القاضي

(:24:) ★ الإستسلام ★ (:24:) (الإستسلام للجهل والمرض) بقلمي : د/علوي القاضي . ★ إنّ المعلم والطبيب كلاهما *** لا ينفعان إذا هما لم يُكرما ★ ف...