▪︎▪︎▪︎
كان الصباح رماديًّا، والبيت صامتًا إلا من صوت الملاعق في فنجان القهوة.
جلست أمامه، تتحدث عن الأسعار، والجارة، وبرنامج الصباح،
وكان يهزّ رأسه في موافقةٍ شاردة، كمن يسمع ولا يُصغي.
في عينيها قلق المالك، وفي عينيه غياب الغريب.
لم يكرهها، لكنه لم يعد يحبها أيضًا.
صار وجودها عادةً تشبه التنفّس، لا يشعر بها إلا إن توقفت.
كانت تملأ البيت يومًا بالضحك والدفء،
لكن الخوف تسلّل إليها، فاشتدّ حبها حتى خنقَه.
أحبّته كمن يخشى أن يفلت منه الظل،
وأحبّها كمن يخشى أن يفقد نفسه.
في ظهيرةٍ هادئة، دخل قاعة الجامعة مصادفةً.
ندوةٌ علمية عن “الحرية والمسؤولية الأخلاقية”،
جلس في الصفّ الأخير، لا يدري ما الذي جاء به إلى هناك.
وقفت امرأة تتحدث بثقةٍ ناعمة، وقالت:
“ليس كلُّ مَن يختار… حرًّا.”
كانت الجملة عادية لولا أنها أصابت قلبه كوميض.
في تلك اللحظة، شعر كأن شيئًا فيه يستيقظ بعد سباتٍ طويل.
لم تكن جميلة حدّ الخطر، لكنها صافية حدّ الأمان.
بعد الندوة، دار بينهما حديثٌ قصير عن الفكرة، ثم عن المعنى، ثم — دون قصدٍ — عن الحياة.
كان كلامها بطيئًا كالموسيقى، وصمتها أبلغ من أي وعد.
منذ ذلك اليوم، صار يراها أحيانًا في الندوات، أو في الممرّات،
ويعود إلى بيته مثقلًا بشيءٍ يشبه الذنب.
يحاول أن يقنع نفسه أنه ما زال يحب زوجته،
لكن النسيان لا يزور إلا القلوب التي ما زالت مطيعة.
لاحظت زوجته البعيدة قربه الخفيّ.
بدأت تُكثِر الأسئلة، تراقب هاتفه، تفتش نظراته.
وحين صمت أكثر، صرخت أكثر.
وفي ليلةٍ من ليل الخوف، وقفت أمامه والدموع على وجهها:
— "لو تركتني، سأقتل نفسي!"
كانت الكلمة كالسوط.
لم تُصبه بالشفقة بل بالرهبة.
صار مسؤولًا عن حياتها كما كان مسؤولًا عن كل شيءٍ فيها.
لم تعد زوجته فحسب، بل أصبحت عبئًا على ضميره.
وكانت — رغم قسوتها — تبكي في نومها أحيانًا،
كأنها تخاف أن يستيقظ العالم بلاها.
كانت تريده حيًّا بها، لا حرًّا منها.
صار يسير إلى المسجد بخطواتٍ مثقلة بالأسئلة.
يصلّي، فيجد رأسه ممتلئًا بها، وبالأخرى، وبالذنب.
كل سجدة تتحول إلى محكمة،
يسأله قلبه:
— أأنت خائن لأنك أحببت؟
— أم ضحية لأنك لم تُترك لتُحب؟
يبكي في صلاته ولا يعرف لمن يبكي.
في النهار، يهرب بالعمل.
في الليل، يهرب بالصمت.
وحين يراها — تلك الأخرى — لا يلمسها، لا يعدها بشيء،
لكنه يعود كل مرةٍ محروقًا من وعيه:
أنه وجد نفسه… متأخرًا.
أحبها لأنها كانت زوجتي،
وأحب الأخرى لأنها كانت نفسي.
في تلك الليلة الأخيرة، وقف للصلاة.
الغرفة نصف مظلمة، الضوء يسيل من نافذةٍ ضيقة كالعفو.
هي تراقبه بصمتٍ من بعيد، تخاف أن تفقده حتى في سجوده.
ركع، ثم سجد، ثم بقي طويلاً.
لم يطلب جنة، ولم يستعذ من نار.
طلب فقط أن يُسامح لأنه صار بينهما.
رفع رأسه، شعر أنه لا في السماء ولا في الأرض، معلقًا بين الرحمة والحرية، بين الوفاء والصدق.
وربما كان الجحيم أن تبقى في مكانٍ لا تحب، والجنة أن تغفر لمن أحبّك حتى الموت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق