الاثنين، 18 مايو 2026

انْعِتَاقُ الرُّوحِ مِنْ قَيْدِ الِاخْتِيَارِ إِلَى فَضَاءِ التَّدْبِيرِ بقلم فُؤَاد زَادِيكِي

انْعِتَاقُ الرُّوحِ مِنْ قَيْدِ الِاخْتِيَارِ إِلَى فَضَاءِ التَّدْبِيرِ

بِقَلَمِ البَاحِثِ فُؤَاد زَادِيكِي

خَلْفَ سِتَارِ العَبَثِ الظَّاهِرِ فِي تَصَارِيفِ الزَّمَانِ، تَكْمُنُ هَنْدَسَةٌ خَفِيَّةٌ لَا تُدْرَكُ بِالأَبْصَارِ، بَلْ بِالبَصَائِرِ الَّتِي أَعْتَقَتْ نَفْسَهَا مِنْ وَهْمِ "الأَنَا" المُقَرِّرَةِ. إِنَّ مَا نُسَمِّيهِ "قَدَرًا عَامًّا" لَيْسَ سِوَى شِيفْرَةِ الوُجُودِ الكُبْرَى، الَّتِي تَفْرِضُ مَلَامِحَهَا القَسْرِيَّةَ عَلَى الجَمِيعِ، لِتَصْهَرَ إِرَادَةَ الفَرْدِ فِي بُوتَقَةِ الضَّرُورَةِ الكَوْنِيَّةِ. فِي هَذَا النَّصِّ، نُعْلِنُ ثَوْرَةً عَلَى المَفْهُومِ التَّقْلِيدِيِّ لِلْحُرِّيَّةِ، لِنَكْشِفَ أَنَّ قِمَّةَ التَّحَرُّرِ لَا تَكْمُنُ فِي "القُدْرَةِ عَلَى الِاخْتِيَارِ"، بَلْ فِي "القُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ" لِتِيَّارٍ جَارِفٍ يُدْرِكُ مُبْتَغَاهُ أَكْثَرَ مِمَّا نُدْرِكُ نَحْنُ أَمَانِيَنَا. إِنَّ القَدَرَ لَا يَمْلِكُ مَشَاعِرَ بَشَرِيَّةً مُتَذَبْذِبَةً، بَلْ يَمْتَلِكُ "بَوْصَلَةً" رَحْمَانِيَّةً ثَابِتَةً؛ وَهُوَ إِذْ يَسْلُبُ الإِنْسَانَ حُرِّيَّتَهُ فِي رَسْمِ البِدَايَاتِ وَالنِّهَايَاتِ، إِنَّمَا يَنْزِعُهُ مِنْ ضِيقِ أَوْهَامِهِ إِلَى سَعَةِ تَدْبِيرِ الرَّبِّ، لِيَتَحَوَّلَ ذَاكَ السَّلْبُ مِنْ سِجْنٍ إِلَى أُفُقٍ، وَمِنْ قَيْدٍ إِلَى أَجْنِحَةٍ.
إِنَّ الرُّمُوزَ، الَّتِي نَرَاهَا فِي عَثَرَاتِ الطَّرِيقِ وَالأَبْوَابِ المُوصَدَةِ لَيْسَتْ عَلَامَاتِ حِرْمَانٍ، بَلْ هِيَ "إِشَارَاتُ مُرُورٍ" إِلَهِيَّةٌ تَحْمِي السَّالِكَ مِنَ التِّيهِ فِي دُرُوبٍ لَمْ تُخْلَقْ لَهُ. هَذِهِ الثَّوْرَةُ الفِكْرِيَّةُ تَقْلِبُ المَوَازِينَ، فَالمَسْؤُولِيَّةُ هُنَا لَا تَقَعُ عَلَى عَاتِقِ الإِنْسَانِ فِي خَلْقِ النَّتَائِجِ، بَلْ فِي تَنْقِيَةِ "المَوْقِفِ القَلْبِيِّ" تُجَاهَ القَدَرِ المَحْتُومِ. عِنْدَمَا يَسْقُطُ وَهْمُ الِاخْتِيَارِ، يُولَدُ الإِنْسَانُ الجَدِيدُ، الإِنْسَانُ الَّذِي لَا يُصَارِعُ الأَمْوَاجَ، بَلْ يَسْتَلْقِي فَوْقَهَا بِيَقِينِ الرَّضِيعِ فِي حِضْنِ أُمِّهِ، مُؤْمِنًا بِأَنَّ كُلَّ انْكِسَارٍ هُوَ تَمْهِيدٌ لِانْتِصَارٍ، وَأَنَّ كُلَّ فُقْدَانٍ هُوَ إِخْلَاءٌ لِمَكَانٍ سَيُمْلأُ بِعَطَاءٍ أَعْظَمَ. إِنَّنَا لَا نَعِيشُ فِي فَوْضَى، بَلْ فِي "قَصِيدَةٍ مُحْكَمَةٍ" كَتَبَهَا الخَالِقُ بِحِبْرِ الحِكْمَةِ، وَمَا نَحْنُ سِوَى القَوَافِي، الَّتِي تَجِدُ كَمَالَهَا حِينَ تَلْتَزِمُ بِالوَزْنِ الَّذِي وَضَعَهُ رَبُّ القَرِيضِ، لِتَكْتَمِلَ لَوْحَةُ الوُجُودِ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا حِينَ نُسَلِّمُ الدَّفَّةَ لِمَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

صواعقُ الانتظار بقلم مهدي الماجد

صواعقُ الانتظار ٠ ٠ أكمل ِ الغيظ َ ترجما إنما الغيثُ إنما بعضُ ذياكَ العبيرْ والمدى الوردي والنضيرْ في حياتي تكلما ................... أنا إ...