الخميس، 14 مايو 2026

لا تاريخ بقلم اسعد الدلفي

قصة قصيرة // لا تاريخ 

في باص "باب المعظم"، كان يحدق عبر النافذة بغياب تام، محاولاً الهروب من صدى صوت والده الذي لم يره يوماً كإنسان، بل كـ "مشروع فاشل" لم يحسن حفظ التاريخ. 
جلست بجانبه فتاة فاتنة اعتاد الجميع التودد لها، لكنه لم يعرها التفاتاً؛ فقد كان غارقاً في شعورٍ خانق بأن وجوده كله مرهون برضا رجل لا يرضى أبداً. حين سألته برقة: عفواً، هل تدرس التاريخ؟، 
لم يسمع صوتها، بل سمع صوت القيد الذي كبله به والده منذ طفولته، فانفجر في وجهها بمرارة: وما دخلكِ أنتِ؟ هل أنتِ أبي لتفرضي عليّ ما أدرس؟!

صُدمت الفتاة وطلبت منه خفض صوته، بينما كانت تحدث نفسها بذهول واحتراق: "يا للسخرية، الجميع يتسابق ليرضي غروري وهذا المحطم يصفعني بكلماته.. لقد أحرجني أمام الغرباء، صوته العالي يمزق وقاري وكأنني ارتكبت جريمة بحقه" فقام هو بحنق قائلاً: "خذي المكان كله لكِ ولفضولكِ"، وانتقل لمقعد آخر وهو يحدث نفسه بسوداوية: حتى الغرباء يلبسون قناع أبي، الكل يريدني نسخة عما يريدون، لا عما أنا عليه.

شعرت بالاسى نحوه.. ولم تستسلم الفتاة، فتبعته معتذرة وهي تشعر بخجل ينهش ملامحها من ردة فعله القاسية، لكنه استشاط غضباً ورأى فيها تجسيداً للملاحقة التي يمارسها والده على أحلامه، فصرخ بيأس: "يا إلهي، ما بكِ تلاحقينني؟!"، ثم فتح النافذة وألقى بكتبه إلى الشارع كمن يلقي بجثة ماضيه المفروض عليه، صائحاً بانهيار: لا أدرس ولا أملك كتباً.. لقد تحررت منكم جميعاً، اتركيني وشأني.

بقلم الكاتب اسعد الدلفي
الثلاثاء 12- آيار – 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

تحت المطر بقلم رضا محمد احمد عطوة

تحت المطر كنا نجري ونلعب تحت المطر تلاحقنا السعادة نضحك ضحكات عالية رنانة تخرج من أعماق القلب جرينا وجربنا لعبنا وضحكنا ضحكات رنانة تبللت مل...