السبت، 16 مايو 2026

منطق المطر الأول بقلم عبدالفتاح الطياري


منطق المطر الأول
يرى ابني، برؤية ثاقبة وموجعة، أن "المطر الأول"، قرار التاريخي الأول، هو الذي رسم مسار العاصفة بأكملها. هو يرى أن اللحظة التي تغلبت فيها العاطفة على الحسابات العقلانية، كانت هي ذاتها اللحظة التي فُتح فيها نفق التنازلات اللامتناهي.

إليكم هذه القصة التي تحاكي منطقه "الواقعي" الصارم، لعلها تشرح كيف يتحول "الحق" إلى "سراب" حين يفتقد بوصلة الممكن:
قصة: رُبّان السفينة وعناد الأمواج
كان هناك ربان يقود سفينة ضخمة محملة بكنوز الأرض، تعطل محركها في عرض المحيط. اقترب منه قرصان على متن زورق حربي صغير، وقال له بنبرة الواثق: "سلمني نصف الكنوز، وسأرشدك إلى الشاطئ لتعبر بسلام".
نظر الربان إلى عظمة سفينته وتاريخ أجداده المودع في صناديقها، وقال في نفسه: "هذه الكنوز إرثٌ مقدس، كيف أفرط بنصفها لقرصان لا يملك إلا زورقاً؟ هذا جنون!". رفض العرض بحدة، ظانّاً أن "شرعية ملكيته" هي درع كافٍ لحماية السفينة.
لكن القرصان لم ينسحب، بل استثمر الوقت واستدعى أساطيله، بينما كانت السفينة تغرق ببطء نتيجة العطل والزمن. وبعد معركة غير متكافئة، استولى القرصان على السفينة بالكامل، وألقى بالربان وأبنائه في قارب نجاة متهالك.
وقف الابن وسط القارب الصغير وسأل والده بمرارة: "لماذا لم تقبل بنصف الكنوز حين كانت الريح مواتية؟ لو فعلت، لكانت لنا اليوم سفينة ونصف ثروة، بدلاً من هذا اللوح الخشبي الذي تتقاذفه الأمواج".
أجاب الأب بكسرة: "يا بني، ظننت أن الحق وحده يكفي لهزيمة المدافع".
رد الابن بمنطق لا يعرف العاطفة: "يا أبي، الحق بلا مخالب هو انتحار. والآن، نحن نتوسل للقرصان ليمنحنا 'غرفة واحدة' في سفينتنا القديمة، وهو يرفض، ويطالبنا بالامتنان لأنه أبقى على حياتنا!".

كيف لي تشريح الهزيمة في مواجهة سراب المثالية...
نطقت بمرارة: 
المثالية الانتحارية: الرفض المطلق غالباً ما يورث ضياعاً مطلقاً. في السياسة، "المطر الأول" إذا لم يُجمع في أوعية ذكية، تحول إلى سيل يجرف الأرض ومن عليها.
شرعية القوة: أدرك ابني مبكراً أن العالم لا يعترف بـ "صكوك الملكية" الغابرة بقدر اعترافه بـ "الأمر الواقع" الذي تفرضه القوة.
شهية التوسع: إن "الرضا المتأخر" بالعروض القديمة ليس تنازلاً فحسب، بل هو وقود لشهية الأقوى، طالما أدرك أن الخصم يتنازل دائماً تحت ضغط الواقع، لكن بعد فوات الأوان.
تساءلت مرارا عديدة ، كيف انهي الحوار معه؟
عندما قلت له: "يا بني، العرب خسروا لأنهم لعبوا القصائد في ميدان يُلعب فيه الشطرنج"، كنت أضع يدي على الجرح. لكن لإتمام الحوار، يمكن توجيهه نحو "القوة المستقبلية" بدلاً من "الندم التاريخي":
"يا بني، إذا كان الماضي قد ضاع لأننا لم نحسن قراءة موازين القوى، فإن المستقبل لا يُستعاد بالبكاء على السفينة الغارقة، بل ببناء محرك جديد لهذا القارب الصغير. التاريخ لا يرحم الضعفاء، لكنه أيضاً لا يعرف 'النهايات الأبدية'. الخسارة تصبح قدراً فقط إذا توقفنا عن فهم قواعد اللعبة الجديدة. القوة ليست فقط في المدفع، بل في العقل الذي يعرف متى يتقدم ومتى ينحني للريح ليحمي ما تبقى".
بهذا المعنى، لا انفي صدق رؤيته، بل احاول تحويل إحباطه من "واقعية بائسة" إلى "واقعية بانية".
هل يرى ابني الآن أن الحل في "القوة المستقبليّة" أم أنه يعتقد أن الخسارة أصبحت قدراً لا يمكن تغييره؟
الجواب في الحلقة القادمة...
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

اخشوشنوا بقلم حسني ابو عزت

( اخشوشنوا ) اخشوشنوا رجالاً كفى حبآ للرضاعه فالأخلاق تولد بفكرنا وليست زراعه كل الأمال انطوت في ظلال عقيدة لكي تؤذن بكم وتختارون الشجاعه ب...