هنا وُلِدتُ... وكان الفجرُ يسبقُني
إلى الحقولِ، فيكسوني من السَّكَنِ
وكانَ بابُ أبي من خشبٍ عبقتْ
بهِ السنينُ، كعطرِ الخبزِ واللَّبنِ
وكانَ جَدِّي إذا ما لاحَ مُبتسمًا
رأيتُ في وجهِهِ تاريخَ ذا الوطنِ
يضمُّني، فتذوبُ الريحُ خاشعةً،
كأنَّ دفءَ يدَيْهِ رحمةُ الزمنِ
ويحكي، فتنثني الأعمارُ منصتةً،
ويورقُ الليلُ من أنغامِهِ الحسنِ
كأنَّ صوتَ حكاياهُ سنابلُها
تُصلِّي إذا داعبَ النسيمُ الفَنَن
وجدَّتي... كلما نادى الصباحُ بها
أوقدتِ التنورَ بالنيرانِ والوَهَنِ
فتعجنُ الخبزَ، والأذكارُ عابقةٌ،
كأنَّها النورُ يجري داخلَ البدنِ
ونحنُ حولَ يديها، والرضا قمرٌ،
والحبُّ يسكبُ في الأرواحِ من مِحَنِ
ما كانَ أفقرَ بيتًا، بل هوَ الوطنُ،
وكانَ أغنى بما فيهِ من السَّكَنِ
جدارُهُ الطينُ... لكنْ كانَ يعرفُنا،
ويحفظُ الضحكَ، والأسرارَ، والوَهَنِ
وسقفُهُ كلما هبَّ المطرُ بكى،
فكُنَّا نضحكُ... لا نخشى من الفتنِ
يا بيتَ طينٍ، أما زالتْ نوافذُكَ
تنتظرُ الخطوَ بعدَ البعدِ والشجنِ؟
أما يزالُ على عتباتِكَ القمرُ
يُقبِّلُ الليلَ في صمتٍ بلا ثمنِ؟
لقد كبرنا... ولكنْ ما كبرنا على
حبِّ الأماكنِ الأولى، ولا السُّننِ
فكلُّ دربٍ مشيتُ اليومَ يحملني
إليكَ طفلًا، بريئًا، طاهرَ الكفنِ
سلامٌ عليكَ، إذا ما هبَّ عاطرُها
رائحةُ الطينِ بعدَ الغيثِ في الوطنِ
فإنْ رحلتُ، سيبقى القلبُ يحملُكَ
كما تحملُ الأرضُ سرَّ البذرِ في الزمنِ.
بقلم الشاعرة والأديبة :آمنة عطية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق