الأحد، 5 يوليو 2026

رن الهاتف بقلم جمال الشلالدة

رن الهاتف
رن الهاتف في لحظة عادية لكن قلبي ارتجف كأن شيئاً في داخلي كان يعلم
مددت يدي ببطء وشيء غامض يشد أنفاسي
وحين جاء صوتها سقط كل ما بنيته من صبر
كان صوتها مكسوراً دافئاً مرتجفاً كأن المسافات كلها تبكي فيه
نادَت اسمي فاهتز قلبي كما لم يهتز منذ سنين
لم أجب فوراً
كنت أحاول أن أصدق أن هذه ليست وهماً
لكنها عادت تناديني بصوت فيه رجاء وحنين
فانكسرت
وانهمرت الكلمات من داخلي دون ترتيب
سألتني عن حالي لكن صوتها كان يسبق السؤال
كان يحمل بكاءً مكتوماً وأنيناً طويلاً
قلت لها إنني بخير لكن صوتي خانني
ارتجف
تقطع
وكأن قلبي يتكلم بدلاً عني
صمتنا لحظة
ثم سمعته
بكاءها
بكاء حقيقياً لم تحاول أن تخفيه
بكاء يشبه كل السنوات التي ضاعت
عندها لم أتمالك نفسي
انكسرت أنا أيضاً
وبكيت
بكيت كما لم أبكِ منذ رحيلها
كان بكاءً ثقيلاً
بكاء رجل حاول طويلاً أن يبدو قوياً
ثم سقط فجأة أمام صوت يعرف ضعفه
كنا نبكي معاً
دون كلمات
دون تفسير
فقط صوتان يحملان وجع العمر
كانت أنفاسها متقطعة
وكانت تقول اسمي بين دموعها
وكأنها تخشى أن تضيع مني مرة أخرى
شعرت بخوف عميق
خوف أن تنتهي هذه اللحظة
خوف أن أستيقظ وأكتشف أن كل هذا حلم
تحدثت أخيراً
قالت إنها تعبت من الغربة
تعبت من البعد
تعبت من الصمت الذي كان يقتلها ببطء
قالت إنها كانت تعرف أنني بحثت عنها
وأنها كانت تبكي كلما تذكرت ذلك
قالت إنها لم تستطع الوصول
وأن الحياة أخذتها رغماً عنها
كنت أسمعها وقلبي يئن
كل كلمة منها كانت تمزق شيئاً في داخلي
أخبرتها عني
عن حياتي
عن زواجي
عن أطفالي
لكن صوتي كان يحمل اعتذاراً خفياً
وكأنني أقول لها إن الحياة لم تنتظرنا
وأخبرتني عن حياتها
عن زوجها
عن أطفالها
لكن خلف كلماتها كان هناك حنين لا يختفي
كنا نحاول أن نكون عقلانيين
لكن القلوب كانت أصدق من كل شيء
قالت لي بصوت مكسور إنها اشتاقت
لم تكن كلمة عابرة
كانت صرخة مؤجلة منذ سنوات
ارتجفت روحي حين سمعتها
شعرت أن المسافة بيننا تضيق
ثم تتسع فجأة
كأننا نقترب ونبتعد في اللحظة نفسها
قلت لها إنني لم أنسها
وأنني حاولت
لكن بعض القلوب لا تتعلم النسيان
سكتت قليلاً
ثم عادت تبكي
وبكيت معها من جديد
كان البكاء هذه المرة أهدأ
لكنه أعمق
كأننا نفرغ ما تبقى في أرواحنا
ثم بدأت الكلمات تعود
تحدثنا بهدوء
لكن خلف كل كلمة كان ارتجاف
اتفقنا أن نبقى على تواصل
كأصدقاء
نطمئن على بعضنا
نهرب من هذا الحنين دون أن نؤذي أحداً
كان اتفاقاً صعباً
لكنه كان أقل ألماً من الفقد الكامل
شعرت بالخوف
خوف أن نقترب أكثر مما يجب
وخوف أن نبتعد فنخسر حتى هذا الصوت
لكننا اخترنا الطريق الأصعب
أن نبقى على حافة الذكرى
لا نعود ولا نختفي
استمر الحديث
وتحول البكاء إلى صمت دافئ
وصار صوتها هادئاً
لكن فيه بقايا ارتجاف
وحين اقتربت النهاية شعرت بانقباض شديد
كأن شيئاً يسحبها مني مرة أخرى
قالت لي تصبح على خير
لكنها قالتها بصوت حزين
كأنها تقول وداعاً
لم أستطع الرد فوراً
كنت أحاول أن أحبس دموعي
ثم قلت لها تصبحين على خير
وأغلقت الهاتف بيد مرتعشة
وبقيت وحدي
لكنني لم أكن كما كنت
كان في صدري بكاء لم ينته
وحنين استيقظ من جديد
وخوف من كل شيء
وخوف من لا شيء
جلست طويلاً في الظلام
أستمع إلى صمت يشبه صوتها
وأشعر أن قلبي ما زال هناك
عالقاً بين كلمة قالتها
ودمعة لم تجف
وأدركت أن بعض المكالمات
لا تنتهي حين ينتهي الصوت
بل تبدأ بعدها حكاية أخرى
حكاية وجع هادئ
يعيش في القلب
ويكبر مع كل ذكرى

بقلم : جمال الشلالدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

بَلُّورِي المَسْحُور بقلم سهى زهرالدين

بَلُّورِي المَسْحُور  كَمَا يَبْتَلِعُ الصَّمْتُ فُقَاعَاتِ الهَوَاءِ بَدَأَتِ التَّوَجُّسَاتُ فِي نُقْطَةِ التَّسَاؤُلَاتِ نَدِيمُ الفِكْرِ...