(تفلسف الحمار فمات جوعا)
بحث وتحقيق : د/علوي القاضي .
.★|★. تخيلوا أن عندنا حمار جائع ، ووفرنا له (كومتين من القش متساويين في الشكل والحجم) ، ووضعناهم على مسافتبن متساويتين من الحمار ، كومة على يمينه والأخرى على يساره ، يا ترى من أي كومة سيأكل الحمار ولماذا .. ؟! وماذا يحدث لو أن الحمار لم يستطيع الإختيار ، هل سيظل واقفا هكذا ويموت من الجوع .. ؟!
.★. هذه هي المعضلة الفلسفية المعروفة باسم (حمار بوريدان) ، تناولها الكثير من الفلاسفة وأولهم [بوريدان] مع إيمانه بفلسفة (الحتمية) التي تقول إن أي مخلوق حي في الكون ، بما فيهم الإنسان ، يتصرف وفقًا لقوانين وأسباب محددة
.★. ولو فهمنا هذه القوانين والأسباب ، كل حاجة بالنسبة لنا تبقى متوقعة ، الفكرة طبعًا بتعارض مفهومنا عن الإرادة الحرة ، وأننا نتصرف وفقًا لرغباتنا ونزواتنا وأحيانًا ليست وفقًا لأي حاجة نهائيا ، وتحولنا لآلات كلما أعطيناها معطيات معينة تتصرف بطريقة معينة ، بمعني حبك لـ (وجبة معينة) ليست إرادة حرة ، لكنها مجرد نتيجة لإستعداد معدتك لتقبله ولوجود خبرات إيجابية في ذاكرتك مع هذه الوجبة ، وهكذا .. !
.★. هذا يعني أن أي إختيار نقوم به ، وكل قرار نأخذه سواء (صغير أو كبير) ، (واعي أو غير واعي) ، يخضع لمجموعة من المعطيات والأسباب التي يدرسها المخ ، وعلى أساسها تكون النتيجة في شكل إختيار أو قرار نعتقد أنه عشوائي أو حر
.★. الحمار كان من الممكن أن يتوجه للكومة اليمين ليأكل منها ، لكن ذلك ليس معناه أن الحمار إختار أي كومة وخلاص علشان ياكل ، ولكن التفسير أن فيه كومة تفوقت على الكومة التانية بسبب معطيات لم نعرفها بعد ، والحمار ذات نفسه قد يكون لا بعرفها
.★. ولو طبقنا فكرة (الحتمية) دي على الحمار سنجد أن لو الحمار أدرك ، بشكل واعي وغير واعي ، أن الكومتين على قدر متساوي من الجذب من حيث الحجم والشكل والمسافة أي أن (المعطيات متطابقة في الإختيارين) ، فالحمار سيشل تفكيره ولا يختار ، وسيظلل واقفا جائعا حتى الموت
.★. هناك فلاسفة كثر عارضوا الفكرة كلها ، وقالوا أن الحمار لا يمكن أن يموت لأنه لا يوجد إختيارين في الدنيا متطابقين ، ولو رأيناهم متطابقين ، فهذا يكون بسبب محدودية رؤيتنا ، ولو عقلنا الواعي فشل في رؤية الإختلافات فعقلنا اللاوعي وغرائزنا تراها وتتصرف على أساسها ، ولكنني أرى أن الحمار ممكن يموت فعلاً
.★. في المقالات السابقة تكلمت عن معضلة الإختيار ، وكيف أننا لو وجدنا أنفسنا محاطين بالعديد من الإختيارات الجذابة نحتار ، وهذه الحيرة تتحول أحيانًا لشلل نعجز بسببه عن الإختيار لأننا نريد كل الإختيارات ، واختيار واحد منهم يعني التضحية بالإختيارات الأخرى ، وهذا يسبب لنا إرتباك ثم جمود في التصرف ، فنظل واقفين في مكاننا زي الحمار اللي في المعضلة كده ، وده اللي بيحصل فعلاً معظم الوقت على المستوى المادي والنفسي ، بسبب توفر كل الإحتياجات بكثرة وبشكل جذاب لدرجة أننا نزهد في كل الإختيارات .. !
.★. ولكن لو أزلنا كومة من كومتين القش ، ونستبدلها بكومة من سبائك الذهب ، هل الحمار سيترك القش ويذهب إلى الذهب .. ؟! ، أكيد طبعًا لأ ، لأن قيمة القش بالنسبة للحمار أعلى من قيمة الذهب ، لأننا نقيّم الإختيار إعتمادًا على قيمته بالنسبة لنا ، وليس على قيمة الإختيار في المطلق أو قيمة الإختيار بالنسبة لٱخر
.★. هذا هو الكلام المنطقي ، لكن هل هذا الذي يحدث فعلاً ، أم أن إختياراتنا تعتمد على قيمة موحدة مقبولة ومفروضة على الكل .. ؟! ، وهل حينما تختار مشاهدة مسلسل معين ، أو ترتدي لباس معين ، هل إختيارك هذا بسبب قيمة المسلسل أو اللباس بالنسبة لك ، وقدرتهم على تلبية إحتياجاتك ، أم أن لهم قيمة مفروضة عليك
... تحياتي ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق