الأربعاء، 26 أغسطس 2026

هِيَ الأَرْضُ حِينَ تَمْشِي بقلم منداس غريسي

العنوان : هِيَ الأَرْضُ حِينَ تَمْشِي

قرأتُ قصيدتَكَ...

فابتسمَتْ في داخلي
امرأةٌ جزائريةٌ
تفوحُ من يديها
رائحةُ القمح،
وفي عينيها
مواسمُ لا تنتهي.

هي بسيطةٌ...

لكنَّ البساطةَ عندها
ليست فقرًا في الجمال،
بل غِنًى
لم تتعلّمهُ المدن.

جمالُها
ليس مرآةً على جدار،
ولا زينةً تستعيرُها
من واجهاتِ المتاجر؛

جمالُها
أنَّها إذا مرّتْ بالحقل
انحنتْ لها السنابل،
وإذا صافحتْ ترابَهُ
أثمرَ في كفّيها
رغيفًا ودعاء.

وحشمتُها
ليست ثوبًا فحسب،
إنَّها هيبةُ امرأةٍ
تعرفُ أنَّ الجمالَ
إذا فقدَ حياءَهُ
صارَ زهرةً بلا عطر.

وفوقَ رأسِها
تستريحُ طرحتُها
كأنَّها رايةُ صباحٍ
لم تُنَكِّسْها الرياح.

وفي أذنَيها
حَلَقٌ صغيرٌ
كقمرينِ من زمنِ الجدّات،
وعلى صدرِها كُردانٌ
يقولُ للذهب:

يكفيني
أنَّني من ذاكرةِ الأرض.

لكن...

لا تسألوا عن زينتِها
قبلَ أن تنظروا
إلى يديها.

تلك اليدان
تعرفانِ سرَّ الحليب،
وتعرفانِ كيفَ يُجمعُ البيض،
وكيفَ يُنثرُ الحبُّ للطيور،
وكيفَ يُروَّضُ التعبُ
كي لا يراهُ أحد.

تخرجُ مع الفجر،
والشمسُ تتبعُ خطاها.

تحلبُ الوكريفة،
فيتسعُ الصباحُ
لرائحةِ اللبن.

تجمعُ البيض،
وتطعمُ الطير،
ثم تمضي إلى الغيط
كأنَّها ذاهبةٌ
إلى موعدٍ مع الحياة.

وتحملُ القلة...

يا لَلقلة!
حينَ تتمايلُ فوقَ كتفِها!

ليس جرّةً من فخار،
بل ذاكرةُ قريةٍ
تمشي.

في الجزائر،
حينَ تحملُ المرأةُ جرّتَها،
تسمعُ الأرضُ وقعَ خطاها،
وتعرفُ أنَّ واحدةً
من بناتها
مرّت من هنا.

تغرسُ،
وتحصدُ،
وتخبزُ،
وتعودُ من الحقل
وفي يديها تعبُ النهار؛

ثمَّ تخبّئهُ
خلفَ ابتسامةٍ
تُشبهُ دفءَ الخبز
حينَ يخرجُ من الفران .

وحينَ ينتهي عملُ الحقل
يبدأ عملُ البيت...

بيتٌ ينتظر،
وأطفالٌ ينتظرون،
وعجينٌ يريدُ يدًا،
وموقدٌ يريدُ نارًا،
ورجلٌ يعودُ من الحقل
مثقلًا بالغبار...

فتستقبلُهُ
كما تستقبلُ الأرضُ
أوّلَ المطر.

يا امرأةَ الريف...

لستِ نصفَ الحياة،
كما يقولون؛

أنتِ اليدُ
التي تحفظُ للنصفِ الآخر
قلبَه.

إذا جفَّ الزرعُ
سقيتِ الأمل،
وإذا قلَّ الرغيفُ
قسمتِهُ بعدلِ الأم،
وإذا اشتدَّ الشتاء
أشعلتِ في البيت
دفءَ الحكاية.

في جبالِ الجزائر
تعلمتِ من الزيتونةِ الصبر،
ومن الحصانِ العنفوان،
ومن السنابل
أنَّ الرأسَ لا ينحني
إلّا حينَ يمتلئُ بالخير.

وفي سهولِها
تمشينَ بينَ القمح
كأنَّكِ سنبلةٌ أخرى؛

غيرَ أنَّ السنابلَ
تحملُ القمح،
وأنتِ
تحملينَ الحياة.

فيا مَن كتبتَ عن الفلّاحةِ
وأحسنتَ وصفَ جمالِها...

دعني أضيفُ
من ترابِ الجزائر
سطرًا واحدًا:

ليست جميلةً
لأنَّها فلاّحة؛
بل الفلاحةُ جميلةٌ
لأنَّها هي.

هي أمُّ الحقل،
وحارسةُ الخبز،
وصديقةُ الزيتون،
وسرُّ البيوت
حينَ تضيقُ بها الدنيا.

إذا نامتِ القريةُ
بقيَ في نافذتِها ضوء؛
وإذا أقبلَ الفجرُ
كانت أوّلَ مَن يفتحُ
للنهارِ الباب.

فلا تجعلوها
صورةً معلّقةً
على جدارِ الذكريات...

دعوها تمشي.

تمشي في الحقل،
والحقلُ يعرفُها.

تمشي في الطين،
والطينُ يفتخرُ بخطاها.

تمشي إلى بيتِها،
فتجري خلفَها
رائحةُ الخبز.

تمشي إلى أطفالِها،
فيكبرُ الوطن.

تلك هي الفلّاحة:

امرأةٌ
إذا صافحتِ الأرضَ
أنجبتْ،

وإذا ابتسمتْ للقمح
أثمرَ،

وإذا تعبتْ
أخفتْ تعبَها
كي لا يتعبَ مَن حولَها.

سلامٌ عليها...

يومَ تحملُ القلة،
ويومَ تحملُ الحطب،
ويومَ تحملُ طفلَها،
ويومَ تحملُ همَّ بيتِها،
ويومَ تحملُ في قلبِها
قريةً بأكملِها.

سلامٌ على امرأةٍ
لم تُفسدْها المدينة،
ولم تُغْرِها المرايا؛

امرأةٍ
بقيتْ تعرفُ
أنَّ أجملَ ما في المرأة
أن تكونَ:

نقيّةَ القلب،
عزيزةَ النفس،
كريمةَ الروح،
وتشبهَ الأرضَ
التي أنجبتْها.

هي الفلّاحة...
هي الأرضُ حينَ تمشي.

بقلم الشاعر: منداس غريسي / الجزائر

هناك تعليق واحد:

مشاركة مميزة

ميلادك نور واشراق بقلم فلاح مرعي

ميلادك نور واشراق اشرقت الارض بنور ربها  يوم بوجهه على الدنيا اطل  البدر المنير بنوره هل  ملأ الدنيا ضياء والظلام اضمحل  وتهللت وجوه وعلتها...