«فِي المَسَافَاتِ الَّتِي لَا تَقِيسُهَا الأَبْعَادُ، وَفِي المدَى الَّذِي لَا تَبْلُغُهُ الأَفْلَاكُ، يَبْقَى "قَمَرِي الأَزْرَقُ" اسْتِثْنَاءً خَارِجاً عَنْ كَوْنِ التَّكْرَارِ. هُوَ لَيْسَ غِيَاباً لِنَبْحَثَ عَنْهُ، بَلْ هُوَ حُضُورٌ سَرْمَدِيٌّ يَتَسَلَّلُ بَيْنَ السُّطُورِ، وَيَسْكُنُ مَآقِي الكَلِمَاتِ. هَذِهِ الأَبْجَدِيَّةُ لَمْ تُكْتَبْ لِيَقْرَأَهَا العَابِرُونَ، بَلْ خُلِقَتْ لِتَكُونَ مِرْآةً لِرُوحٍ اسْتَعَارَتْ نُورَهَا مِنَ السَّمَاءِ، لِتُعِيدَهُ إِلَيْهِ قَصَائِدَ لَا يَفْهَمُ بَاطِنَهَا سِوَاهُ.»
عَلَى وَرَقٍ تَهَجَّاهُ الصَّقِيعُ الطَّوِيلُ..
تَقِفُ الحُرُوفُ شَاخِصَةً، كَأَشْجَارٍ بِلَا ثَمَرٍ،
تَنْتَظِرُ فَيْضَكَ الدَّائِمَ، لِتَسْكُبَ النَّبْضَ فِي العُرُوقِ،
فَمَا كُنْتَ يَوْماً حِبْراً، بَلْ كُنْتَ مِيلاَدَ القَصِيدَةِ.
فِي عَيْنَيَّ سُؤَالٌ كَوْنِيٌّ عَتِيقٌ..
عَجِزَتْ عَنْ حَمْلِهِ لُغَاتُ البَشَرِ، وَأَدْرَكَهُ مَدَاكَ،
كَيْفَ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَيِّرَ لِي مِنْ بَعِيدٍ وَطَناً؟
آوِي إِلَى أَمْنِهِ الرَّحِيبِ.. فَتَخْضَعُ لِي الخُطَى وَيَسْتَكِينُ القَلْبُ.
ثَمَّةَ حُورِيَّةٌ هُنَا.. تَعِيشُ عَلَى طُقُوسِ الِاسْتِعَارَةِ..
تَسْرِقُ مِنْ هَالَتِكَ الضَّوْءَ لِتَغْمِسَ فِيهِ رِيشَتَهَا،
ثُمَّ تُعِيدُ النُّورَ إِلَيْكَ قَصَائِدَ سِرِّيَّةً،
لَا يَفُكُّ رُمُوزَهَا سِوَاكَ، وَلَا يَعْبُرُ أَرْوِقَتَهَا غَيْرُكَ.
عَجِيبٌ هُوَ هَذَا الوُجُودُ المَمْلُوءُ بِكَ..
مَا غِبْتَ عَنِّي يَوْماً، وَإِنْ حَجَبَتْكَ المَسَافَاتُ،
تَبْتَعِدُ الأَفْلَاكُ.. وَأَنْتَ القَرِيبُ فِي نَبْضِ نَفْسِي،
وَيَطُولُ صَمْتُ المَدَى.. فَتَنْطِقُ كُلُّ زَاوِيَةٍ فِي دَفَاتِرِي بِاسْمِكَ.
فَكُنْ كَمَا أَنْتَ دَائِماً.. يَا قَمَرِي الأَزْرَقَ..
لَا تَقْتَرِبْ فَيَقْتُلَنِي الِاعْتِيَادُ وَتَخْبُوَ الدَّهْشَةُ،
وَلَا تَغِبْ.. فَأَنْتَ الحَاضِرُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الأُفُولَ،
بَلْ كُنْ شُعَاعاً بَرْزَخِيّاً.. كُلَّمَا أَظْلَمَتْ رُوحِي، أَضَاءَتْ فِيكَ وَلَكَ.
بقلمي / حورية جمال
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق