الأربعاء، 19 أغسطس 2026

خُبْزُ الكَدَمات بقلم طارق رضوان جمعة

خُبْزُ الكَدَمات
بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة

هناك أناسٌ لا يخبزون الخبز... بل يخبزون النار.

يضعون الحطب في أفواههم، ثم يجلسون إلى موائد الآخرين، يلتهمون أعراضهم بشراهة، ويشربون من أكواب النميمة كأنها ماءٌ بارد في ظهيرةٍ جهنمية.

يغسلون وجوههم كل صباح بالسباب، ويمشطون ألسنتهم بالنفاق، ثم يخرجون إلى الناس بثيابٍ كاملة...إلا من الداخل.

في أجسادهم فراغٌ كبير، وفي ضمائرهم مطبخٌ لا يهدأ؛ يغلي فيه الغِلُّ، وتتقلّى فيه الغيبة، وتصعد منه رائحة الحسد.

صلاتهم الوحيدة: تسابيح من نميمة، وأذكار من غيبة، وسجودٌ طويل أمام مرآةٍ لا تعكس إلا أنفسهم، يرون قلوبهم مساجد عامرة.

And they feast on fire, and call it bread,
While hungry hearts go cold and unfed.

تجرّعوا الفقر حتى صار فرحهم أعور. فقط ضحكةٌ يتيمة يحتفظوا بها في جيوبهم، كأنها آخر قطعة نقد في مدينةٍ أفلست من الضحك.

يتسوّلون حتى نسوا أيديهم مع المارة. يحفرون في قلوبهم ثقوبًا للتهوية، وكلما مرّ الزمن فوقهم ترك فيها عثرةً جديدة.

فكم من سبّاكٍ نحتاج كي يمنع دموع الحزن من تسرّبها من محاجرهم؟

وما أغرب الحزن... حين يجد في دموع المساكين بحرًا صالحًا للسباحة.

ثانيًا: مَائِدَةُ الكَدَمَات

وحين يعجز الجوع عن العثور على مائدة... يدخل البيت.

هناك يصبح الغضب أرخص من الخبز.

تعود قائمة المشتريات ولا تحمل معها دقيقًا ولا زيتًا ولا سكرًا، بل أكياسًا من الرعد، وصناديق من الصواعق، وفواتير طويلة من الصراخ.

وفي عيون بعض الرجال عواصف، تحتاج الزوجات أمامها إلى مظلاتٍ لا تُرى. فالفقر لا يكسر الجدار، بل يكسر من يسكن خلفه.

فتصبح الكدمة خريطةً زرقاء لوطنٍ لم يعد آمنًا.

وعلى جسد الزوجة يبحث الغضب عن كنوزٍ لا وجود لها؛ ينقّب عن معدنٍ دفين، ولا يجد إلا لحمًا يرتجف.

أما الأبناء، فيقفون في منتصف الغرفة كأنهم جنودٌ صغار في حربٍ لم يختاروها.

يلوّحون بالقمح والشعير في وجه الكدمات، يرجونها أن تطير بعيدًا، أن تبحث لها عن وطنٍ آخر، أن تترك أجساد أمهاتهم وتذهب، لكنها كدمة صماء، لا تعرف سوى عنوانٍ واحد: الجسد.

كل ليلة، في مهبّ الرجولة العارية، يولد طائرٌ صغير داخل كدمةٍ عميقة.

طائرٌ لا يغرد؛ يخاف أن يسمعه أحد.

فكم من عنادل تختبئ تحت ثياب النساء، لا خوفًا من الصياد وحده، بل خوفًا من العين التي قد تشمت إذا رأت جناحًا مكسورًا.

وهنا...

تتوقف حركة مرور الفرح في صدور النساء. تصطف الأمهات على أرصفة الصمت، وفي أيديهن تذاكر مؤجلة للنجاة.

ويطلب الأبناء كوبًا من الطفولة، ويمدّون أكوابهم إلى الأب... فلا يجد في يده إلا العجز.

ثالثًا: حِينَ يَجُوعُ القَلَم

ومن العجز... نمسك القلم.

فحين لا نستطيع أن نغيّر الباب، نرسم عليه نافذة.

وحين تضيق الغرفة، نفتح في الورقة سماءً.

نكتب شعرًا، أو نثرًا، أو جملةً صغيرة تستطيع وحدها أن تحمل قلبًا كاملًا.

فالكتابة وسيلة تنفّس.

وأحيانًا تكون آخر نافذةٍ في غرفةٍ بلا نوافذ.

نكتب كي نعطي الكدمة اسمًا.

ونعطي النار رغيفًا.

ونعطي اليتيم طفولته المؤجلة.

ونعطي الميت كرسيًا آخر في غرفة الذاكرة.

وربما لهذا لا أحب الأدب الذي يقف بعيدًا عن الجرح، ثم يصفه بأصابع نظيفة.

الأدب الحقيقي يقترب.

يجلس بجوار الموجوع.

يلمس ارتجافه.

فالكاتب ليس قاضيًا.

والقصيدة ليست محكمة.

والكلمة ليست سوطًا.

ولهذا، حين يقول المجتمع عن امرأةٍ إنها «منفلتة»، قد يكون السؤال الحقيقي:

هل انفلتت من الشرف؟

أم انفلتت من القيد؟

كم من امرأةٍ اتُّهمت لأنها صرخت، بينما لم يسأل أحد: كم مرةً صمتت قبل أن تصرخ؟

وكم من روحٍ غسلها الناس بالصابون، وهم لا يعرفون أن العار الحقيقي ليس على الجلد...

بل في العين التي تنظر إلى جرح إنسانٍ فتشمت.

لذلك ينبغي للأدب أن يبني للمكسورين مكانًا لا تصل إليه الأحكام.

غرفةً ثامنةً وعشرين في القلب.

وعلى بابها: ممنوع الدخول لأصحاب الأحكام.

هناك يمكن للإنسان أن يخلع خوفه.

أن يضع كدمته على الطاولة.

أن يقول ما عجز عن قوله طوال عمره.

وأن يبكي دون أن يعتذر.

لكن للأدب عدوًا قديمًا.

وحشًا لا يحب الأصوات.

يتغذى على صمتنا.

كلما سكتنا... كبر.

كلما خفنا... اتسعت أنيابه.

وكلما دفنّا الحقيقة في أفواهنا، أقام فوقها بيتًا.

لذلك نمسك القلم.

لا لنهزم العالم...

بل كي لا يسمح لنا العالم بأن نهزم أنفسنا.

رابعًا: خُبْزُ الذِّكْرَى

كانت جدتي تدّخر لنا البسمات كما يدّخر الفقراء الحطب للشتاء.

توزّع قلبها علينا بالعدل، ولا تترك أحدًا بلا نصيب.

كانت أدعيتها أصناف طعامٍ على مائدة الروح.

وكانت تنقّي مشاعرنا على صينيةٍ من الطهر والبراءة، ثم ترسل الفرح إلينا مع كوبٍ من البن، وكأسٍ من الشاي، وبضع كلمات لا نعرف قيمتها إلا بعد أن يصبح أصحابها ذكرى.

ثم ماتت الجدات. فنسي البيت عنوانه. وغادرت البركة العتبة دون أن تترك رقم هاتف.

وتقوّست الأمنيات في صدورنا كأنها غصونٌ عطشى.

ومنذ ذلك اليوم وأنا أفتّش عن سلّمٍ إلى السماء.

كنت أتمنى يدًا أطول من يدي، أصنع منها درجةً أخرى، ثم درجةً أخرى، حتى أصل إلى الوجوه التي اشتقت إليها.

وكنت أتمنى لقلبي أن ينسى كرسيه المتحرك، أن يقف وحده، أن يمشي، أن يعيد تشغيل القدر بعد أن ظنناه جهازًا قديمًا انتهت بطاريته.

كم تمنيت أن أنفخ حزني كما ينفخ الأطفال بالوناتهم... ثم أتركه يطير.

فالكتابة ليست دائمًا محاولةً لتغيير المستقبل. أحيانًا هي محاولة لإنقاذ الماضي من النسيان.

نكتب كي لا يموت الذين ماتوا مرتين: مرةً حين غادروا الحياة،

ومرةً حين نعجز عن تذكّرهم.

نكتب للجدة التي كانت تعرف أن الفرح قد يكون فنجان شاي.

وللأم التي حملتنا فوق كتفيها كسؤالٍ طويل لا يجد جوابًا.

ولكل يدٍ امتدت إلينا ذات يوم، ثم غابت قبل أن نشكرها.

فبعض الذكريات خبزٌ أيضًا.

نأكله حين يجوع القلب.

خامسًا: زِرُّ التَّشْغِيل

وهنا أصل إلى الشيء الذي أخشاه أكثر من الكدمة نفسها: أن يتعوّد الإنسان عليها.

أن يستيقظ ذات صباح، فيجد الألم جزءًا من أثاثه. وينسى كيف كان قبل الجرح.

وهنا نحتاج إلى زرٍّ تشغيل في القلب.

قد يكون كلمة.

وقد يكون شخصًا.

وقد يكون قصيدة.

وقد يكون يدًا تمسك يدك في لحظة احتياج.

إنها لحظة استعادة الإنسان لنفسه.

فالكتابة لا تمحو الألم، لكنها تمنع الألم من أن يصبح هوية.

والحب لا يصلح كل الجروح، لكنه أحيانًا يذكّر الجريح بأن جسده ليس ميدانًا للحرب.

والكلمة الصادقة لا تغيّر الماضي، لكنها تستطيع أن تغيّر الطريقة التي نحمله بها.

ولهذا أحب الحبر.

لأنه لا يخاف من الجروح.

بل يدخل إليها.

يسكن في شقوقها.

ويمنحها اسمًا.

وربما لهذا...

الموت نفسه يخاف من الحبر.

فما دام هناك من يكتب عنك، فأنت لم تختفِ تمامًا.

وما دام هناك من يتذكر يدك، وضحكتك، وصوتك، وفنجان قهوتك، فأنت لم تصبح غيابًا كاملًا.

وما دام جرحك قد تحوّل إلى معنى... فقد بدأ يتحول من سجنٍ إلى أثر.

الرَّغِيفُ الأَخِير

ولعلّ كل ما كتبته هنا ليس إلا محاولةً لصنع رغيفٍ صغير من الدمع.

رغيفًا لا يشبع المعدة... لكن ربما يشبع شيئًا لا نراه يسكن خلف الضلوع.

شيئًا يسمّى: المعنى.

فيا أيها القارئ...

لا تسألني أيُّ الخبز أطيب.

قل لي: أيُّ كدمةٍ في هذا النص عرفتَ اسمها قبل أن أسمّيها؟

وأيُّ نارٍ أخفيتها طويلًا تحت الرماد؟

وأيُّ بابٍ عجزتَ عن تغييره، حتى اضطررتَ إلى أن ترسم عليه نافذة؟

وأيُّ يدٍ كنتَ تحتاج إليها، ولم تجدها؟

وأيُّ كلمةٍ كنتَ تتمنى أن يقولها لك أحد، ولم يقلها؟

فلعلّك لا تحتاج إلى قصيدة.

ولعلّك لا تحتاج إلى نصيحة.

ولعلّك لا تحتاج حتى إلى خبز.

فلعلّك تحتاج فقط...

إلى من يجلس بجوار كدمتك،

ولا يسألها: من ضربك؟

بل ينظر إليها طويلًا، ثم يقول:

أنا أراك.

فبعض الكدمات لا تحتاج إلى طبيب... بل إلى شاهد.

وبعض الجروح لا تحتاج إلى ضماد... بل إلى معنى.

وبعض الأرواح لا تحتاج إلى من ينقذها... بل إلى من يوقظ فيها زرَّ التشغيل.

ولعلّ الكتابة هي ذلك الزر.

ولعلّ الحبر هو الخبز الأخير الذي تأكله الروح...

حين تجوع من كل شيء.

ولعلّ الكدمة، حين تجد اسمها، تبدأ أخيرًا في الشفاء.

The wound may fade, the scar may stay,
But words can teach the dark to pray.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

القبر بقلم ماهر اللطيف

القبر (ق.ق.ج) بقلم :ماهر اللطيف /تونس واعدها فتخلّفت عن الموعد. هاتفها، فتعلّلت بأعذار واهية. جدّدا الاتفاق، فأعادت الغياب. في المرة الثالثة...