في عصرٍ يُقاس فيه العمق بعدد اللقطات، وتُوزَن فيه الحكمة بثوانٍ معدودات، تسللت "التفاهة" من كواليس الحياة لتعتلي خشبة المسرح الإنساني بأسره. لم تعد مجرد هفوة طارئة أو مزاح خفيف يُستروح به، بل تحولت إلى تيار تجريف هادئ، يبتلع الفكر، ويجفف منابع الدهشة والجمال.
إنها ضجيجٌ بلا معنى، وصورٌ متلاحقة لا تترك في النفس إثراً إلا الفراغ. جيلٌ يركض في مضمارٍ وهمي، يطارد أصداءً بائسة لشهرةٍ مجانية، متخلياً عن أسئلة الوجود الكبرى لصالح ترهاتٍ يومية تُستهلك وتُنسى في غمضة عين. أصبحت المظاهرُ هي الجوهر، والسطحيةُ هي المعيار، وقيل للعمق: "إنك معقد"، وللجدية: "إنك كئيبة".
أن تقع في أسر التفاهة، يعني أن تُسلّم عقلك لآلةٍ تصنع الانشغال الدائم بلا غاية، أن تغرق في نهرٍ من اللامعنى وأنت تظن أنك تسبح نحو القمة. التفاهة ليست قلة علمٍ بالضرورة، بل هي زهدٌ أعمى في المعرفة، واستسهالٌ يقتل شغف البحث، وتسفيهٌ لكل ما هو قيم ورصين.
والأنكى من ذلك، أن يتصدر المشهدَ أباطرةُ التفاهة وصنّاعها؛ أولئك الذين يطأون القانون بأقدام أهوائهم، ثم يرتدون مسوح الضحايا بلا خجل. يمارسون خديعة كبرى، فيوهمون العامة بأنهم المحرومون من حقوقهم، والمُضطَهَدون في حرياتهم، بينما هم في قاع الحقيقة يعرفون يقينًا أنهم على ضلال. يقدمون الباطل في غلاف من مظلومية ممتلئة بالوقاحة، ويواصلون ضخ دياجير ضجيجهم، وممارسة الدعاية الزائفة لحماية مشاريعهم الجشعة المفرغة من أي قيمة. إنها النرجسية حين ترتدي عباءة الاستحقاق، فتستبيح النظام العام لتسويق بضاعتها الكاسدة على حساب عقول البسطاء.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في وجود التفاهة، بل في اعتادها؛ أن نألف الهبوط حتى نتوهم أن السطح هو السماء. وحدها الكتابة التواقة للعمق، والفكر الحر، والفن السامي، بأسئلتهم التي تُقلق الركود، قادرة على إعادتنا إلى جوهرنا الإنساني... حيث لا يصح في النهاية إلا ما كان له أثرٌ ووزن.
ولعل السؤال الأشد إيلاماً والذي يظل معلقاً في أثير هذا الشتات: إلى متى سنظل نرقب هذا الانحدار بكبرياء الصامتين؟ هل سنبقى نتفرج على قيمنا وهي تُستبدل بالسراب، أم أن في هذا القاع المتسع بذرةً لوعيٍ جديد سيفيق حتماً ذات يوم؟
هل نملك شجاعة العودة إلى الذات والتحرر من أسر الهواتف والعدسات، أم أننا صرنا أسرى طوعيين لزمنٍ لا يُرحم، نبيع فيه أثمن ما نملك لنشتري به التصفيق؟ وفي نهاية المطاف، حين تهدأ الضوضاء وينكشف الغبار، أياً منا سينجو بفكره وحقيقته... ومن منا سيطويه النسيان كأنه لم يكن؟ يُستروح به، بل تحولت إلى تيار تجريف هادئ، يبتلع الفكر، ويجفف منابع الدهشة والجمال.
إنها ضجيجٌ بلا معنى، وصورٌ متلاحقة لا تترك في النفس أثراً إلا الفراغ. جيلٌ يركض في مضمارٍ وهمي، يطارد أصداءً بائسة لشهرةٍ مجانية، متخلياً عن أسئلة الوجود الكبرى لصالح ترهاتٍ يومية تُستهلك وتُنسى في غمضة عين. أصبحت المظاهرُ هي الجوهر، والسطحيةُ هي المعيار، وقيل للعمق: "إنك معقد"، وللجدية: "إنك كئيبة".
أن تقع في أسر التفاهة، يعني أن تُسلّم عقلك لآلةٍ تصنع الانشغال الدائم بلا غاية، أن تغرق في نهرٍ من اللامعنى وأنت تظن أنك تسبح نحو القمة. التفاهة ليست قلة علمٍ بالضرورة، بل هي زهدٌ أعمى في المعرفة، واستسهالٌ يقتل شغف البحث، وتسفيهٌ لكل ما هو قيم ورصين.
والأنكى من ذلك، أن يتصدر المشهدَ أباطرةُ التفاهة وصنّاعها؛ أولئك الذين يطأون القانون بأقدام أهوائهم، ثم يرتدون مسوح الضحايا بلا خجل. يمارسون خديعة كبرى، فيوهمون العامة بأنهم المحرومون من حقوقهم، والمُضطَهَدون في حرياتهم، بينما هم في قاع الحقيقة يعرفون يقينًا أنهم على ضلال. يقدمون الباطل في غلاف من مظلومية ممتلئة بالوقاحة، ويواصلون ضخ دياجير ضجيجهم، وممارسة الدعاية الزائفة لحماية مشاريعهم الجشعة المفرغة من أي قيمة. إنها النرجسية حين ترتدي عباءة الاستحقاق، فتستبيح النظام العام لتسويق بضاعتها الكاسدة على حساب عقول البسطاء.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في وجود التفاهة، بل في اعتادها؛ أن نألف الهبوط حتى نتوهم أن السطح هو السماء. وحده التصرف البشري التواق للعمق، والفكر الحر، والفن السامي، بأسئلتهم التي تُقلق الركود، قادرة على إعادتنا إلى جوهرنا الإنساني... حيث لا يصح في النهاية إلا ما كان له أثرٌ ووزن.
ولعل السؤال الأشد إيلاماً والذي يظل معلقاً في أثير هذا الشتات: إلى متى سنظل نرقب هذا الانحدار بكبرياء الصامتين؟ هل سنبقى نتفرج على قيمنا وهي تُستبدل بالسراب، أم أن في هذا القاع المتسع بذرةً لوعيٍ جديد سيفيق حتماً ذات يوم؟
هل نملك شجاعة العودة إلى الذات والتحرر من أسر الهواتف والعدسات، أم أننا صرنا أسرى طوعيين لزمنٍ لا يُرحم، نبيع فيه أثمن ما نملك لنشتري به التصفيق؟ وفي نهاية المطاف، حين تهدأ الضوضاء وينكشف الغبار، أياً منا سينجو بفكره وحقيقته... ومن منا سيطويه النسيان كأنه لم يكن؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق