الأحد، 23 أغسطس 2026

وجدتها في باريس بقلم جمال الشلالدة

وجدتها في باريس
لم اكن اعلم ان الرحلات التي نخطط لها بالعقل تخبئ في طريقها قدرا يكتب بالقلب
سافرت الى فرنسا مثقلا بالعمل احمل في حقيبتي اوراقا واجتماعات واحمل في صدري فراغا لا يملؤه شيء
كنت امشي في شارع الشانزلزيه بين الاضواء والوجوه الغريبة وكأنني اعبر مدينة لا تعبرني
كل شيء هناك كان جميلا لكنه لم يكن يعني لي شيئا
حتى تلك اللحظة التي توقفت فيها الحياة فجأة
حين رأيتها
كانت تقف هناك كما لو ان الزمن نسي ان يمضي معها
لكن عينيها كانتا تحملان عشر سنوات من الغياب
نظرت الي ولم تنطق
ثم انهارت باكية وكأنها كانت تؤجل هذا البكاء منذ دهور
اقتربت منها وقلبي يرتجف كطفل وجد امه بعد ضياع
حاولت ان اسندها ان اعيدها الى وعيها بينما العيون من حولنا تراقب صمتنا المكسور
كنت اناديها باسمها الذي لم يغادرني يوما
وكأن اسمي خرج من بين شفتيها وهي بين الغياب والحضور
وعندما استعادت شيئا من وعيها نظرت الي طويلا
ثم ضحكت وبكت في آن واحد
ضحكة تحمل دهشة اللقاء وبكاء يحمل وجع السنوات
قالت لي بصوت متعب انت كما انت لم تتغير
اما انا فكنت اراها بكل ما تغير فيها وبكل ما بقي منها
كانت اكبر قليلا نعم
لكنها كانت اجمل لان الحنين اضاف الى ملامحها عمقا لا يراه الا من احب
جلسنا في مقهى قريب من برج ايفل
والوقت هناك لم يكن يقاس بالساعات بل بما يتساقط من قلوبنا من كلمات
تحدثنا كثيرا وكأننا نحاول ان نعيد كتابة تلك السنوات الضائعة
سألتها عن حياتها فاخبرتني عن بيتها وعن اولادها وعن تفاصيل لم اكن جزءا منها
كنت استمع وابتسم وفي داخلي شيء ينكسر بصمت
وهي كانت تنظر الي وكأنها تبحث عن شيء تعرفه في وجهي
ضحكنا كثيرا
وبكينا اكثر مما ينبغي
استعدنا ذكريات كانت تسكننا اكثر مما نسكنها
وتحدثنا عن اشياء لم نقلها في وقتها وكأننا نحاول ان نصحح ماضيا لا يعود
كان اللقاء يشبه حلما جميلا يخاف صاحبه من الاستيقاظ
ثم فجأة وقفت وقالت لقد تأخرت
كان في صوتها استعجال وفي عينيها رجاء خفي ان لا ينتهي كل شيء
قالت يجب ان نظل على اتصال كاصدقاء
حتى نعرف اخبار بعضنا
كاصدقاء فقط
كلمة بسيطة لكنها كانت اثقل من كل ما قيل
ودعتها هناك
عند نفس المدينة التي جمعتنا صدفة وفرقتنا قدرا
كانت تمشي مبتعدة وانا واقف كأن جذوري نبتت في ذلك المكان
لم التفت اليها
او ربما لم استطع
لانني كنت اعرف ان الالتفات يعني انني لن اتركها تمضي
عدت الى طريقي
لكنني لم اعد كما كنت
تركت شيئا مني هناك
في شارع الشانزلزيه
في تلك اللحظة
في تلك الدموع التي لم تجف
وجدتها في باريس
لكنني فقدتها مرة اخرى
وهذه المرة
كان الفراق اكثر هدوءا
واشد وجعا

بقلم : جمال الشلالدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

فِي بِلَادِي نَخِيلٌ خُضْرٌ بَاسِقَاتْ بقلم قاسم الخالدي الكوفي

فِي بِلَادِي نَخِيلٌ خُضْرٌ بَاسِقَاتْ يَرَفْرِفُ سَعَفُهَا كَمَا تَرَفْرَفُ الرَّايَاتْ ══════════════════════════════ حَاكَتْ بِسَاطاً أَخ...