الأحد، 9 أغسطس 2026

غُرْبَةٌ فِي بَيْتِي بقلم محمد القحطاني

غُرْبَةٌ فِي بَيْتِي

بقلم ✍ محمد القحطاني 

أَصْعَبُ الغِيَابِ هُوَ ذَلِكَ الَّذِي يَحْدُثُ بَيْنَ قَلْبَيْنِ اقْتَسَمَا العُمْرَ، وَالمِلْحَ، وَالأَحْلَامَ.

حِينَ تُصْبِحُ "الرُّوحُ"، الَّتِي كَانَتْ تَعْرِفُ تَفَاصِيلَ صَمْتِي قَبْلَ كَلَامِي، مَحجوبة خَلْفَ مَرَايَا الصَّمْتِ نَرَاهَا وَلَا نَطَالُهَا، وَيَجْلِسُ المَرْءُ بِجِوَارِ مَلَامِحَ يُحِبُّهَا، لَكِنَّهُ يُجَابِهُ جِدَارًا غَيْبِيًّا حَجَبَ عَنْهُ مَنْ اعْتَادَ عَلَيْهَا.

الرَّحِيلُ هُنَا لَا يَبْدَأُ بِاخْتِيَارِ القُلُوبِ، بَلْ بِسَطْوَةِ نَفْيٍ أَقَامَتْ بَيْنَنَا سِيَاجًا، حَالَ دُونَ أن نستعيد الأَنْفَاسِ.

الوَجَعُ الأَكْبَرُ لَيْسَ فِي المَقْعَدِ الشَّاغِرِ؛ بَلْ فِي "الأَسْرِ الخَفِيِّ" لِرُوحٍ تُسَاقُ إِلَى الصَّمْتِ سَوْقًا، وَتُمْنَعُ مِنَ الِارْتِدَادِ إِلَيْنَا بِرَغْمِ لَهْفَتِهَا.

لَا نَمْلِكُ لَحْظَةً قَاطِعَةً لِنَبْكِيَ فِيهَا النِّهَايَةَ، فَنَحْنُ لَا نَرَى بَابًا يُغْلَقُ، بَلْ نَرَى غُلَالَةً مِنَ القَهْرِ تَتَكَثَّفُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.

يَجْلِسُ العَقْلُ مُدْرِكًا جَوْرَ المَسَافَةِ المُفْتَعَلَةِ، لَكِنَّ القَلْبَ يَظَلُّ عَلَى رَصِيفِ الِانْتِظَارِ، فَوْلَاذِيًّا فِي صُمُودِهِ، طِفْلًا فِي تَعَلُّقِهِ.

يَنْتَظِرُ انْقِشَاعَ هَذِهِ الظُّلْمَةِ، أَوْ نَبْرَةَ صَوْتٍ قَدِيمَةً تُعِيدُ تَرْتِيبَ الخَرَابِ، أَوْ الْتِفَاتَةً حَانِيَةً تَتَحَدَّى العَزْلَ وَتَثُورُ ضِدَّ المَنْعِ.

نَنْتَظِرُ لَيْسَ جَهْلًا بِالوَاقِعِ المُعَقَّدِ، بَلْ لِأَنَّ القَلْبَ يَرْفِضُ أَنْ يُصَدِّقَ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَوْطِنًا، بَاتَتِ اليَوْمَ وَرَاءَ حُجُبِ الحِرْمَانِ وَسِيَاجِ الغِيَابِ المُعْتِمِ.

وَأَصْعَبُ مَا فِي هَذَا الِاحْتِبَاسِ، لَيْسَ النَّأْيَ، بَلْ تِلْكَ التَّفَاصِيلُ المَتْرُوكَةُ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ، وَأَحْلَامُنَا الَّتِي خَطَّطْنَا لَهَا مَعًا بَاتَتِ اليَوْمَ مُعَلَّقَةً فِي مَهَبِّ الِانْتِظَارِ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

لون الحياء بقلم هبدالصاحب أميري

  لون الحياء بقلم السفير عبدالصاحب أميري عبدالصاحب الأميري &&&&&&&&&&&&&& كلّما أردت...