السبت، 12 سبتمبر 2026

قَدْ كُنَّا بقلم محمد أبو شدين

قَدْ كُنَّا
بقلمي محمد أبو شدين 

غِبْتَ عَنِ العَيْنِ لَكِنْ لَسْتَ تَعْتَذِرُ
فِي كُلِّ مَرْأَى لِقَلْبِي أَنْتَ تَنْتَصِرُ

تَمْشِي الوُجُوهُ سَرَاباً فِي مَجَالِسِهَا
وَوَجْهُكَ العَذْبُ فِي الأَجْفَانِ يَدَّثِرُ

أَرَاكَ فِي البَدْرِ إِذْ يَجْلُو الدُّجَى سَحَراً
وَفِي نَسِيمِ الصِّبَا إِذْ يَهْطِلُ المَطَرُ

خَلَا مَكَانُكَ لَكِنْ لَمْ يَخْلُ الهَوَى
فَأَنْتَ فِي الرُّوحِ آيَاتٌ وَمُدَّكَرُ

يَا غَائِبًا وَحُضُورُ الرُّوحِ مَسْكَنُهُ
مَا لِي لِغَيْرِكَ فِي هَذَا المَدَى بَصَرُ

أَبْصَرْتُ كُلَّ جَمَالِ الكَوْنِ فِيكَ فَمَا
يُغْنِي عَنِ العَيْنِ بَعْدَ اليَوْمِ مُخْتَبَرُ

تَمْشِي المَجَرَّاتُ فِي عَيْنِي مُعَطَّلَةً
وَأَنْتَ وَحْدَكَ فِي أَفْلَاكِهَا القَمَرُ

نَسَجْتُ طَيْفَكَ فِي أَهْدَابِيَ امْرَأَةً
مِنَ الضِّيَاءِ، فَمَا لِلْعَتْمِ مُسْتَطَرُ

صَبَبْتُ حُسْنَكَ فِي كَأْسِ الخَيَالِ شَذًى
فَكُلُّ نَجْمٍ بِهَذَا السُّكْرِ يَنْحَدِرُ

كَأَنَّ غَيْبَتَكَ الكُبْرَى قِيَامَتُنَا
وَكُلُّ عَيْنٍ رَأَتْ عَيْنَيْكَ تُحْتَضَرُ

كُلُّ الهَوَى بَعْدَ هَذَا المَحْوِ أَهْجُرُهُ
نَذْرًا، وَمَنْ يَتَوَدَّدْ فَهْوَ مُنْدَحِرُ

مَا أَنْتَ طَيْفٌ مَشَى فِي العَيْنِ ثُمَّ مَضَى
بَلْ أَنْتَ كُلُّ الَّذِي أَعْنِيهِ إِذْ ذَكَرُوا

فَإِنْ نَظَرْتُ لِأَيِّ الكَوْنِ أَبْصَرَنِي
عَيْنَاكَ فِي كُلِّ مِقْدَارٍ بِمَا فَطَرُوا

سَافَرْتُ فِيكَ عَنِ الدُّنْيَا وَبَهْجَتِهَا
فَمَا لِغَيْرِكَ فِي أَنْفَاسِيَ الأَثَرُ

تَطُوفُ كُلُّ حُرُوفِ الشِّعْرِ خَاشِعَةً
فِي مَعْبَدِ الحُسْنِ حَتَّى يَخْشَعَ السَّهَرُ

كَأَنَّمَا خَلَقَ الرَّحْمَنُ بَهْجَتَنَا
مِنْ نُورِ وَجْهِكَ وَالأَكْوانُ تَعْتَمِرُ

مَزَّقْتُ دَفْتَرَ مَنْ مَادُوا بِمِحْنَتِهِمْ
فَكُلُّ حُبٍّ سِوَى عَيْنَيْكَ يَنْتَحِرُ

شَرِبْتُ غَيْبَتَكَ الكُبْرَى فَأَسْكَرَنِي
أَنَّ الوُجُودَ بِدُونِ المُلْتَقَى يَخْتَصِرُ

لَوْ صَافَحَتْ قَدَمَاكَ الأَرْضَ فِي سَفَرٍ
لَأَوْرَقَ الصَّخْرُ وَاحْتَارَتْ بِهِ السِّيَرُ

نَزَعْتُ عَنْ جَسَدِ الأَيَّامِ زِينَتَهَا
فَمَا لِغَيْرِكَ تَرْتِيلٌ وَمُبْتَكَرُ

تَغْزُو مَلامِحُكَ الأَوْقَاتَ يَا أَمَلِي
فَكُلُّ ثَانِيَةٍ مِنْ حُسْنِكَ تَبْتَكِرُ

لَوْ أَنْكَرَتْنِي عُيُونُ النَّاسِ أَجْمَعِهِمْ
فِي عَيْنِ عَيْنِكَ كُلُّ الأَرْضِ تَنْحَصِرُ

فَأَنْتَ نَبْضُ الحَكَايَا فِي بَدَاءَتِهَا
وَكُلُّ حُبٍّ سِوَى عَيْنَيْكَ يُحْتَقَرُ

لَوْلَا حُضُورُكَ فِي أَعْمَاقِ أَوْرِدَتِي
لَمَا تَنَفَّسَ فِي أَضْلَاعِيَ العُمُرُ

طَوَيْتُ سَجَّادَةَ التَّارِيخِ إِذْ ظَهَرَتْ
أَنْوَارُ وَجْهِكَ ، وَالأَفْكَارُ تَنْصَهِرُ

أَسْلَمْتُ لِلْغَيْبِ مَفَاتِيحَ الحَيَاةِ فَمَا
يُرْجَى لِغَيْرِكَ إِيعَادٌ وَمُؤْتَمَرُ

لَوْ شِئْتَ أَنْ تَبْعَثَ الأَشْعَارَ مِنْ عَدَمٍ
لَسَالَ مِنْ لَفْظِكَ المَعْنَى وَمَا سَطَرُوا

أَنَا المَكَانُ وَأَنْتَ الكَوْنُ أَجْمَعُهُ
مَا ثَمَّ غَيْرُكَ فِي المِرْآةِ يُدَّخَرُ

تَقَلَّصَ الخَلْقُ حَتَّى صَارَ مَحْوًا لَنَا
فَالعَيْنُ عَيْنُكَ، وَالمَشْهُودُ فِيكَ خُبُرُ

هُوَ المَلَاذُ وَهُوَ الكَوْنُ أَجْمَعُهُ
وَهْوَ الحَيَاةُ وَمِنْهُ الطِّيبُ وَالزَّهَرُ

لَا عَيْنَ بَعْدَكَ تَرْعَى حُسْنَ أَمْنِيَةٍ
وَلَا فُؤَادَ بِغَيْرِ الحُبِّ يَعْتَكِرُ

فَلَا غِيَابٌ يُمِيتُ الوَصْلَ فِي دَمِنَا
وَلَا حُضُورٌ لِغَيْرِ العَيْنِ يُعْتَبَرُ

أَنْتَ الَّذِي كُلَّمَا أَبْصَرْتُ بَهْجَتَهُ
رَأَيْتُ كُلَّ جَمَالِ الكَوْنِ يَخْتَمِرُ

أَمُوتُ فِيكَ وَتَحْيَا أَمْسِيَاتُ هَوَىً
وَيُورِقُ النَّبْضُ إِنْ نَادَاكَ يَنْهَمِرُ

فَلَا ارْتِحَالٌ عَنِ العَيْنَيْنِ يَمْحَقُنَا
وَلَا مَقَامٌ بِغَيْرِ الوَصْلِ يُقْتَدَرُ

فَوَصْلُكَ البَعْثُ لِلأَرْوَاحِ إِنْ عُدِمَتْ
وَصَدُّكَ المَحْوُ لَا يُبْقِي وَلَا يَذَرُ

تَغِيبُ عَنِّي فَتَبْكِي كُلُّ جَارِحَةٍ
وَتَسْتَنِيرُ إِذَا أَلْفَاكَ تَسْتَعِرُ

أَنَا الغِيَابُ إِذَا مَا غِبْتَ عَنْ فَلَكِي
وَأَنْتَ أَنْتَ بِيَ الإِشْرَاقُ وَالظَّفَرُ

تَمْحُو وَتَبْعَثُ فِي عَيْنَيَّ أَمْثِلَةً
فَكُلُّ حُبٍّ بِمَا عَانَيْتُ أَفْتَقِرُ

تَرَاكَ عَيْنِي وَعَيْنُ العَيْنِ تَعْشَقُهُ
يَا رُوحَ رُوحِي وَمَنْ فِي حُسْنِهِ البَهَرُ

أَنْتَ الحَيَاةُ وَأَنْتَ المَوْتُ فِي شَغَفِي
وَأَنْتَ وَحْدَكَ لَا بَدْوٌ وَلَا حَضَرُ

هَوَايَ أَنْتَ وَكُلُّ النَّاسِ بَعَدَ هَوَىً
مَحْوٌ، وَأَنْتَ ضِيَاءٌ لَيْسَ يَنْحَسِرُ

يَا كُلَّ كُلِّي وَيَا بَعْضِي وَخَاتِمَتِي
مَا لِي سِوَاكَ مَلَاذٌ حِينَ أَنْكَسِرُ

قَبْلَ النُّشُورِ وَقَبْلَ النُّورِ قَدْ كُنَّا
وَمُذْ تَبَاعَدَ رَوْحَانَا لَنَا الفَقْرُ

أَنْتَ الَّذِي لَوْ بَكَتْ عَيْنَاكَ مِنْ أَسَفٍ
لَذَابَ حُزْناً عَلَيْكَ القَلْبُ وَالقَدَرُ

فَأَنْتَ آخِرُ مَا يَبْقَى إِذْا فَنِيَتْ
هَذِي الحَيَاةُ، وَأَنْتَ المَبْدَأُ النَّضِرُ

حَشَرْتُ كُلَّ جِهَاتِ الكَوْنِ فِي جِهَةٍ
إِلَيْكَ، فَالنَّاسُ وَهْمٌ وَأَنْتَ المَقَرُّ

فَلَوْ رَحَلْنَا وَمَاتَ الدَّهْرُ مَكْتَئِباً
سَيَكْتُبُ الغَيْبُ أَنَّا وَحْدَنَا الغُرُرُ

شَطَبْتُ كُلَّ جَفَافٍ قَبْلَ رُؤْيَتِنَا
فَلَيْسَ بَعْدَكَ إِلَّا الرَّوْضُ وَالنَّهَرُ

فَكُلُّ عَيْنٍ رَأَتْ عَيْنَيْكَ قَدْ عَمِيَتْ
وَكُلُّ سِحْرٍ بِلَا مُقْلَاكَ يَنْبَتِرُ

مُحِيَ الجَمَالُ وَمَاتَ الخَلْقُ أَجْمَعُهُمْ
وَأَنْتَ وَحْدَكَ فَوْقَ الحُسْنِ تَزْدَهِرُ

بقلم /محمد أبو شدين /مصر 
(20/5/2026)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

هذا الوقت سيمر بقلم أسامة صبحى ناشى

(( هذا الوقت سيمر ))*** إن كنت لا تعلمين ماذا جرى .. فإليك هذا العقد ... فيه توقيع من باع ومن إشترى .. وإننى حين الفراق .... واسيت نفسي...