الجمعة، 18 ديسمبر 2020

أصحاب القلوب الحكيمة بقلم أحمد النجار

 أصحاب القلوب الحكيمة

بقلم
أحمد النجار
جمهورية مصر العربية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هل قابلت واحدة منهن يوماً ما ؟!
أنا قابلت منهن الكثيرات !
هؤلاء النساء المسلمات ، المؤمنات ، اللاتي زادهن إيمانهن تقوى وحكمة وبصيرة ، واللاتي تغلبن عي كوارث الزمن بصبرهن والتجائهن إلي الحكمة في تقدير الأمور وعواقبها ، واللاتي يدركن تماماً أن الصبر علي الابتلاء من شيم الإيمان الصحيح .
من هؤلاء النسوة الكريمات أعرض عليكم اليوم قصة سمية ، تلك السيدة الفاضلة التي جاءتني مستبشرة ، راضية مطمئنة ، يشع نور الإيمان من وجهها الملائكي قائلة :
أنا خريجة إحدى الكليات النظرية ، تزوجت بعد
قصة حب دامت أكثر من سبع سنوات وأنجبت بنتين وولداً ، عشت حياتي في هدوء جميل مع زوجي علوان ذلك الرجل المحب العطوف الحنون ، فهو إنسان مستقيم الطبع لا يعرف فنون المراوغة ، ونعمنا معاً بالسعادة الصافية والحب الدافئ ، فقد كنت فتاة أحلامه التي كافح سنين طويلة ليجتمع شملنا معاً علي كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم .
ولأن أسرتي من صعيد مصر وأنا أقيم في القاهرة ، فقد كنت أسافر إلي بلدتي كل شهر أو شهرين حسبما تسمح ظروفي لأزور أمي التي تعيش وحيدة بعد سفر شقيقي للخارج ، فأقيم معها يوماً أو يومين ثم أعود لحياتي وزوجي وأسرتي .
مضت حياتنا علي هذا النحو خمسة عشر عاماً ، ثم حدث أن مرضت أمي مرضاً شديداً استدعى أن أكون بجوارها ، فتركت زوجي علوان وأبنائي وأقمت معها لرعايتها في مرضها شهراً ونصف الشهر ، ثم توفيت أمي إلي رحمة الله واضطررت للاستمرار في بيت الأسرة فترة العزاء ، وفي ذكرى الأربعين ، وكان زوجي يأتي لزيارتي في بيت أمي من حين لآخر ويضطر أن ينام وحيداً لازدحام بيت الأسرة بالزوار ، ثم يرجع إلي عمله في اليوم الثاني .
قبل حلول موعد ذكرى أربعين أمي بأيام اتصلت ببيتي تليفونياً للاطمئنان علي زوجي وأولادي كعادتي ، فلم أجد أبنائي في البيت وعلمت من زوجي أنهم يقضون بعض الأيام عند عمتهم بعد انتهاء العام الدراسي ، وعلمت منه أيضاً أن الشغالة تركت العمل بالمنزل ، فتعجبت مما سمعت لعلمي أن زوجي لا يطيق ابتعاد أبنائه عنه ولا يحتمل الحياة وحيداً !
كما تعجبت أكثر لترك الشغالة العمل في بيتنا وهي مطلّقة شابة وفي حاجة شديدة للعمل !
دارت كل تلك الوساوس في رأسي ــ تقول سمية ــ ونهشتني الظنون والشكوك في زوجي علوان لأول مرة منذ زواجنا !
لم أدر ماذا أفعل ؟!!
ذكرى أربعين والدتي اقترب موعدها ويستحيل أن أترك بيت أمي ، ولم أنم ليلتها ، وفي الصباح حزمت أمري وأبلغت أقاربي أنني احتاج للسفر إلي القاهرة لأمر ضروري، وسأعود قبل موعد ذكرى الأربعين ، وسافرت بالفعل للقاهرة دون إبلاغ زوجي بذلك ،، ووصلت إلي البيت ، فشاهدت سيارته أمام البيت في نفس الوقت الذي كان ينبغي فيه أن يكون في عمله !!
ترددت في الصعود إلي المسكن خوفاً من الصدمة
والمفاجأة بشئ يفوق احتمالي !
ظللت واقفة في مكاني أراقب العمارة التي أقيم فيها حتي رأيت زوجي يغادرها ويركب سيارته ويمضي بها ، فاستجمعت قواي وأعصابي وصعدت إلي شقتي ، فما أن فتحتها حتى شممت رائحة عطر نسائي ؛ فتذكرت علي الفور نوع العطر من رائحته ، فقد جاءني هدية ولم تعجبني رائحته النفاذة ، فأعطيته للشغالة التي تعمل عندنا ولم تكن قد طُلقت من زوجها وقتها !
ساعتها جريت في الشقة كالمجنونة أفتش في حجراتها ، فلم أجد أحداً ، لكني وجدت زجاجة العطر اللعينة علي الكومدينو في حجرة النوم بجوار فراش زوجي ، ووجدت أيضاً قميص نوم غريب في الحمام !!
يا إلهي ..! علوان زوجي يخونني ... غير معقول ، وشعرت بدوخة وغثيان وكراهية شديدة لزوجي ، وأجهشت بالبكاء فم أدر إلا وزوجي علوان واقفاً أمامي مذهولاً ، مرتبكاً ، وعندما واجهته بما رأيت لم يستطع تبرير وجود زجاجة العطر وقميص النوم الغريب في بيتى !!
راح ينكر بلا وعي ، فطلبت منه الطلاق ودخلت غرفة الأبناء وأغلقتها علي نفسي حتي الصباح ، وعندما تأكدت أن زوجي غادر غرفة نومه ودخل الحمام ، فتحت الباب بحرص وخرجت من الشقة عائدة إلي بيت أمي دون أن أراه أو يراني !
رجعت إلي بيت الأسرة وأنا أبكي بحرقة وكل من يراني يواسيني في رحيل أمي وهو لا يعرف أنني لا أبكي رحيل أمي فقط ، وإنما أبكي أطلال رجل كان زوجي يوماً ما ، أبكي رحيل الحب والإخلاص والوفاء والسعادة من حياتي !!
ووجدت نفسي أواجه هذا السؤال الصعب ( المُر) : ماذا أفعل مع هذا الزوج الخائن ؟!!
في اليوم التالي جاء زوجي إلي بيت أمي محاولاً استرضائي ، جاء منكسراً يتحاشى التقاء عيوننا ، بل وبكى لأول مرة بين ذراعي وكانت المرة الأولي التي أرى فيها دموعه !!
استمرت محاولاته للاعتذار علي ما فعل ، فتركته وابتعدت عنه وأفكاري ومشاعري متضاربة ، أراجع حياتي معه طوال 15 عاماً ، فأجده مثالاً للزوج المحب الحنون السخي في عطفه وعطائه النفسي والمادي والمعنوي ، وكان الأب المثالي لأبنائه .
ثم استعيد ما فعل وما صدمني به صدمة هائلة؛ فتثور ثائرتي وأشعر أن كرامتي قد جُرحت جرحاً عميقاً ، ورغم غضبي الشديد وحيرتي فقد شعرت بأن شيئاً ما بداخلي يوّد أن يسامحه !
وأخيراً وبعد حيرة كبيرة استخرت الله ودعوته أن يهديني إلي الصواب ، وتجنبت زوجي نهائياً لبضعة أيام إلي أن هداني ربي إلي العفو عنه والتسامح من أجل أولادنا الذين لا ذنب لهم في كل ما حدث ، وأملت أن تداوي الأيام جراحي واستأنفت حياتي مع زوجي علوان وأنا راغبة في الصفح الجميل والاستمرار معه ، ونسيت تلك الواقعة تماماً ، وسقطت هذه التجربة من ذاكرتي وكأنها حدثت لانسانة أخرى غيري ، ومرت سنوات تليها سنوات كانت كفيلة بنسيان كل الجراح والآلام !
فماذا سوف استفيد من خراب بيتي وضياع أولادي بين أبوان مطلقان ؟!!!!!
... لا شيء بالتأكيد غير الحسرة والندم !
&& يا الله ... ما أعظم حكمة تلك السيدة الحكيمة ، لقد فعلت سمية خيراً بنفسها وبزوجها وأولادها وبيتها عندما تغلبت علي شيطان الغضب الأعمى الذي يعمي بصيرة الإنسان عن كل شيء آخر حوله ويحصر كل مشاعره في الانتقام فقط !
لقد استجابت لنداء الحكمة المنبعث من أعماق فؤادها وعقلها فآثرت الصفح والغفران مع زوجها علوان باعتبار ما حدث كان الزلة الأولي ، فهو في الأصل إنسان مستقيم أغواه الشيطان في
لحظة ضعف بشري !
وذلك بالتحديد هو الفارق الكبير بين خطأ الإنسان حين تكون الاستقامة الخلقية هي طابع شخصيته ثم تزل قدمه ذات مرة إلي هاوية الرذيلة ، فيندم علي ما فعل ونتجاوز نحن بعد حين عن غضبنا منه ، وبين خطأ الإنسان المتكرر المدمن علي الرذيلة والعياذ بالله !
ولا يتأتى ذلك غالباً إلا للمنصفين وأصحاب القلوب الحكيمة الذين لا يهدرون كل ما قدمه لهم الآخرين من قبل عند أول خطأ !
ولهذا قال أحد علماء السلوكيات : ( لا تتخذ أي قرار مصيري في حياتك إلا إذا درت حول التل دورة كاملة ) ... بمعني لا تكن عجولاً في قراراتك ، وإنما لابد من التأني والصبر حتى تهدأ كل انفعالاتك كي تستطيع عزلها كلياً عن تفكيرك العقلاني وقت اتخاذ القرار .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد النجار
جمهورية مصر العربية
ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏

أيلول أيلول

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

ظلك ثقيل بقلم نجية مهدي

ظلك ثقيل لِمَ تجلس قبالتي الحافلة فارغة.! نجية مهدي