جدتي تسترد بعض عافيتها فأشرق محياها متحرراً من الإعياء وقد حزمت أمتعتها مشفقةً على ابنها من زوجته التي لم توقف صب سياط النار عليه وقد اشترط والدي أن أرافقها فهي لم تبرأ من آلامها بعد ، أخواتي متقنفذاتٌ على هذا الفراق المضني وقد زدن وجوماً بمثول السيارة التي استأجرها والدي لتقلنا إلى القرية . يوم الجمعة السعيد إنهُ أولُ يوم أغدو فيه فراشةً متنعمةً بهذا الربيع ، جيرانُ جدتي يحومون حولي بسرورٍ عظيمٍ ، هؤلاء القرويون البسطاء المنعتقون من تعقيدات المدينة الباهظة ذوي الأرواح العفوية ، ياللروعة ! سأتنفس الآن وسط هذه الأفئدة السليمة التي تنضحُ بصحة الريف ، إنهم مجبولون على حب التعارف الأكيد ، أكادُ أحسدُ نفسي على هذا النهار الذي سأقضيه برفقة جارة جدتي أم فضة التي ستسوقني إلى جولةٍ بين الحقول الفسيحة . العصافيرُ هنا زقزقتها أشبه بالصراخ ، والورود تنثر عطرها مغرمةً بالفراشات التي تداعبها . لم ينقطع هطول الفرح برفقة أم فضة المرأة الفارعة الطول أخت الرجال كما تقول غمرتتي بأحاديث شائقةٍ أنبتتني بإشعاعاتٍ تخضرُ
الصفحة - 39 -
رواية ابنة الشمس*
الروائية أمل شيخموس
لها الآمال بأجمل الألحان . عدتُ إلى دفء جدتي بادرتها بقبلةٍ حارة على وجهها المغمور بخطوطٍ وتجاعيد حفرها
الزمنُ وسطرها بعنايةٍ فائقة ودقةٍ متناهية ، إنها جدتي وأنا أعتدُ بها انغمستُ أشمشم حنانها أداعبها : يالكِ من حسناء !
فأخذت تقهقهُ فرحاً اهتز لهُ صدرها :
- ملعونةٌ تهزئين .
- جدتي الحلوة سامحك الله .
ركض الأسبوع وأنا أحسبُ نفسي في الجنة . الكلُ مهتمٌ هنا بأمري أشرقتُ بغزارةٍ فهذه أم جهادٍ تنعتني بالحلوة وأم . . . إني بينهم طفلةٌ أحبو على سلالم الدلال ، نعم ستبقى هذه الأيام وشماً في الذاكرة . . جدتي التي غذت بذور الرحمة عندي وأعادتها براقةً هفهافةً على فطرتها بحبها العظيم لشخصي . أمي التي كانت دائماً تسردُ لي سرَّ تعلق جدتي بي فكانت تقول :
كنت طفلتنا الأولى وجدتك جاشت بك مؤكدةً :
إن وداد هي حصتي من الحياة ولن أسمح بمس شعرةٍ لها ، وكانت تكررُ :
الصفحة - 40 -
رواية ابنة الشمس*
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق