من شهيرات النساء
شجرة الدر
شجرة الدر لقب طوّق حياة هذه السيدة التي كتبت على خد الزمان أسطراً من عظمة المرأة وشجاعتها وصلابتها في التاريخ الإسلامي.
لمع نجم هذه المرأة في القرن السابع الهجري عندما استظلت بظل زوجها الملك الصالح أيوب تحافظ على صلابتها وأن تكتم خبر وفاة زوجها حتى انتهت المعركة الشرسة التي كانت تدور بين الجيش الصليبي بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا وبين الجيش المصري.
ولنعد إلى البداية..
ولدت شجرة الدر- وهذا ليس اسمها. ولم يعرف اسمها، ويُظنّ أنها مملوكة أرمنية الأصل أهداها الخليفة المستعصم بالله للصالح نجم الدين أيوب- في نهاية القرن السادس الهجري. وقد أغفل التاريخ حياة شجرة الدر في مطلعها، ولم تعرف إلا في قصر الملك الصالح نجم الدين أيوب، ويظهر أنها كما أسلفنا جارية مملوكة أرمنية انتزعتها أيدي النخاسين من أرضها وبيعت في أسواق الجواري، وعاشت في بدايتها عيشة الجواري المجهولات كغيرها ممن مضين مع الأيام. ويبدو أنها كانت ذات طموح ونفس تطلب المعالي، فتعلمت وتأدبت وحفظت كثيراً من الآداب واللطائف التي جعلتها أليفة إلى القلوب، حتى وصلت إلى قصر الصالح جارية ثم ارتقت بفضل جمالها وحسن تصرفها وسرعة فهمها وذكائها الذي قادها إلى أن تسيطر على قلب سيدها نجم الدين أيوب فتغدو حليلة له ثم زوجته وأم ولده، فبرزت بعد ذلك كأشهر نساء عصرها.
اشتهرت شجرة الدر- ويقال أن امسها هو شجر الدر ولكن حُرّف بعد ذلك إلى شجرة الدر- اشتهرت بالذكاء وسرعة البديهة والدهاء بالإضافة إلى جمال ساحر يسيطر على القلوب. وقد اعتمد عليها الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأحبها حباً عظيماً، وأنجبت ابنها خليلاً فسميت أم خليل، فظل هذا للقب ملازماً لها طول حياتها.
وعندما اعتلى أيوب عرش السلطة الأيوبية في مصر بعد وفاة أبيه، احتلت شجرة الدر مكانة مرموقة وكأنها ملكة غير متوجة. ولكن الملك الصالح لم يلبث أن اعتقها وتزوجها وأجلسها بجانبه.
رافقت شجرة الدر خلال حياة زوجها الملك الصالح أيوب، الحروب الدائرة بين المسلمين والصليبين، وكان الملك الصالح يعتمد عليها في أموره ومهماته، خاصة خلال أيام مرضه. وكانت تكتب خطاً يشبه خط الملك الصالح وتوقع بدلاً منه.
وكانت شجرة الدر تمارس دورها من وراء الستار، ولكنها تقدمت إلى الصف الأمامي عندما توفي الملك الصالح أيوب، حيث استطاعت إخفاء خبر وفاته في فترة حرجة جداً من تاريخ الحروب الصليبية وقد أمرت أحد أطبائه بغسل جثمانه، ثم وضع في تابوت، وحمل في الليل إلى قلعة الروضة، وانزل في قبره ودفن بجوار المدرسة الصالحية دون أن يدري أحد. وحين كانت تسأل عنه، تجيب بأنه مريض ولا يصل إليه أحد.
واستمر نشاط الحكم على حاله والأوامر السلطانية تخرج كل يوم بانتظام بتوقيع السلطان الذي هو في الحقيقة توقيع شجرة الدر نفسها.
وقبل أن يعرف خبر وفاة الملك الصالح أيوب، استدعت شجرة الدر "توران شاه" ابن زوجها وكان غائباً عن مصر في حصن كيفا، فأصدرت الأوامر إلى أكابر رجال الدولة ومقدمي الجند، بأن يحلفوا لتوران شاه يمين السلطنة. كما دعا له خطباء المساجد. وظلت شجرة الدر تدير دفة الحرب وتراقب سير المعارك، وتشرف على تنفيذ الخطط العسكرية، حتى وصل توران شاه وتسلم منها قيادة الحرب وزمام الملك.
وبظهور توران شاه تراجعت شجرة الدر خطوة إلى الوراء، إلا أن هذا التراجع لم يدم أكثر من شهرين، "وهي الفترة التي حكم فيها توران شاه" فقد احتجب هذا الرجل عن الناس ومارس طباعاً خشنة وأبعد كثيراً من رجال الدولة، وتنكر لشجرة الدر زوجة أبيه التي صانت له الملك ولم يحفظ لها جميلاً، فهربت منه خوفاً إلى بيت المقدس، وكانت معاملة توران شاه للماليك البحرية قاسية مما حرضهم على اغتياله إلا أن الطعنة لم تصبه لأنه تلقاها بيده وهرب من قاتله المملوكي، وأقسم على القضاء نهائياً على المماليك. ومنذ هذه اللحظة بدأت الجهود تتكثف بين الأمراء والممالك وشجرة الدر للتخلص منه.
ونجحت خطتهم أخيراً فقتلوه وقطّعوا جثته وتركوها ملقاة جانب البحر دون دفن. وعقب مقتله نادى كبار رجال الدولة بشجرة الدر سلطانة على مصر على أن يكون الأمير عز الدين أيبك مقدماً للعساكر.
وهكذا استطاعت شجرة الدر أن تسيطر على الأمور وأن تعود إلى الصف الأول سلطانة تمارس الحكم بكفاءة وجدارة، واختارت بهاء الدين المعروف بابن حنا وزيراً لها وأطلق عليها لقب الملكة عصمة الدين شجرة الدر والستر العالي والدة الخليل المستعصمية نسبة إلى المستعصم.
إلا أن حكم شجرة الدر لم يستمر أكثر من ثمانين يوماً، تمكنت خلالها من حكم مصر بجدارة وكفاءة وحسن تدبير، وكانت على تم وفاق مع الأمراء والمماليك، وخطب لها على جميع المنابر الإسلامية، واعتبرت في نظر البعض المؤرخين السلطان التاسع عز الدين إيبك لا يتصرف ولا يقطع بأمر إلا بعد استشارتها ومعرفة رأيها وأخذ موافقتها. فأصدرت المراسيم السلطانية بتوقيع شجرة الدر، وتمكنت من إجلاء الملك فرنسيس ملك الإفرنج عن دمياط. وقامت على نشر البر والإحسان. فأوقفت مدرسة عرفت باسم مدرسة شجرة الدر وحماماً عرف باسم حمام الست.
ولما بلغ الخليفة المستنصر بالله أبو جعفر وهو ببغداد، أن اهل مصر قد سلطنوا عليهم امرأة أرسل إلى أمراء مصر يقول لهم: "أعلمونا إن كان ما بقي عندكم في مصر من الرجال من يصلح للسلطنة فنحن نرسل لكم من يصلح لها. أما سمعتم في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وقد أنكر عليهم إنكاراً شديداً، وهددهم وحضهم على الرجوع عن توليها مصر.
بلغ ذلك إلى شجرة الدر، فأدركت أن بقاءها على عرش مصر سوف يثير لها المشكلات. فبادرت فوراً إلى الزواج من الأمير عز الدين أيبك التركماني وتنازلت له عن العرش. فتزوج بها ثم تولى الحكم. وكان اول من تولى السلطة من ملوك الترك. ولقب بالملك العزيز في عام 648هـ.
وكان الملك العزيز إيبك ضعيف الشخصية. وقد تمكنت شجرة الدر من التحكم في كل شؤون حياته وملكه. وقد شهد عهده بروز المنازعات بينه وبين كبار المماليك على السلطة والنفوذ. وظلت الأمور تتدهور بينهم حتى عام 655هـ حين بدأت العلاقات تسوء بين الملك العزيز وزوجته شجرة الدر وذلك حين بلغها أنه ينوي الزواج من بنت الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل. فدبت الغيرة بين جوانحها، وبدأ الحقد يغلي في صدرها حين أرسل العزيز فعلاً يخطب ابنة الملك الرحيم. وكان ينوي من وراء ذلك التخلص من شجرة الدر، التي فرضت عليه أن يطلق زوجته الأولى أم علي. وتسيطر على شؤون حياته. وأدركت شجرة الدر أنه يخطط لإبعادها وهي الخبيرة بدسائس القصور. فقد كان إيبك يحترس منها ومن غلمانها أينما ذهب.
وقد وطد العزم أخيراً على إخراجها من القلعة وإسكانها في دار الوزارة، وزيادة في الحرص غادر القلعة وأقام أياماً في مناظر اللوق، حتى يتم له تنفيذ هذا الأمر الخطير.
أيقنت شجرة الدر أخيراً أنها إذا لم تبادر إلى التخلص منه فسيسبقها هو ويتخلص منها وقد خشيت أن يبادر إلى إعدامها، وعلى الفور بدأت بتنفيذ خطتها.
فأرسلت إلى الملك العزيز رسولاً في باب اللوق، تستلطفه، وتلتمس منه الصفح عنها وتدعوه إلى القلعة، ولم ير إيبك بأساً من أن يستجيب لدعوة زوجته. وهو لا يعلم بما تدبره له من مكائد. وقد أمضى عصر ذلك اليوم في لعب الكرة، ولما غربت الشمس غادر ميدان اللوق ودخل القصر.
وتعددت الروايات في مقتله، فمنهم من قال إنه حين دخل القصر استقبلته شجرة الدر بحفاوة بالغة فاستراح قليلاً ثم دخل الحمام ليغتسل.
فلما خلع ثيابه وثب عليه سنجر الجوهري مع بعض الخدم فرموه وخنقوه.
ومنهم من قال: إن القتلة حين انقضوا عليه، أخذ يستغيث بشجرة الدر ويتضرع إليها أن تنقذه، وأنها تأثرت بتضرعه وطلبت من الغلمان أن يتركوه لكنهم لم يستمعوا إليها خوفاً على حياتهم منه إذا ظل على قيد الحياة.
وفي رواية ثالثة أن الخدم أمسكوه في الحمام فانقضت عليه شجرة الدر وأخذت تضربه بالقبقاب على رأسه حتى مات.
وعلى الفور بدأت شجرة الدر تتحرك بسرعة لتلافي عواقب هذه الجريمة. فأرسلت ليلاً إلى القاضي ابن مرزوق، على لسان الملك العزيز.
فركب القاضي حماره وطلع إلى القلعة من باب السر حتى وصل إلى شجرة الدر فرآها جالسة والعزيز بين يديها ميت فأخبرته بموت السلطان، فعظم عليه الأمر كثيراً، وحين استشارته قال: لا أعرف ماذا أقول لقد وقعت في أمر عظيم ما لك منه مخلص.
فأرسلت مباشرة إلى الأمير عز الدين إيبك الحلبي تعرض عليه السلطنة فرفض. فأرسلت إلى الأمير جمال الدين بن أيد عذي بن عبد الله العزيزي فلم يقبل أيضاً رهبة وخوفاً. وهكذا أخفقت كل محاولات شجرة الدر خلال هذه الليلة لتولية أمير تستتر وراءه فيما بعد.
وحين أشرقت الشمس وبزغ الصباح أذيع نبأ وفاة السلطان إيبك الذي توفي في الليل فجأة. فراجت الإشاعات واضطرب الناس، وكثرت الظنون ولم يصدق أحد هذا النبأ. وما ان بلغ الخبر إلى المماليك حتى ركبوا خيولهم وتوجهوا بفرسانهم إلى القلعة وحاصروها حتى قبضوا على جميع من فيها ومن بينهم شجرة الدر.
ولم يلبث الأمراء والمماليك أن اجتمعوا وولوا الحكم لعلي بن إيبك ولقب باسم المنصور نور الدين فبدأ حكمه بالانتقام لقتل أبيه. فاعتقلت شجرة الدر مع بعض جواريها في البرج الأحمر. وفي يوم الجمعة العاشر من ربيع الثاني سنة 657هـ سيقت شجرة الدر أمام ضرتها الأصلية التي أصبحت الآن أم السلطان المنصور علي، لكي تتولى قتلها بنفسها.
وسلمت شجرة الدر للجواري ونفذ فيها حكم الإعدام قتلاً بالقباقيب كما فعلت مع زوجها. وهكذا انتهت حياة شجرة الدر التي ارتفعت من مستوى الجواري والمماليك لتصبح ملكة على مصر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق