الثلاثاء، 26 أكتوبر 2021

معذرة عقلي الباطن بقلم عبد الناصر سيد علي

( معـذرةً عقلـي الباطـن )
     كتب : عبد الناصر سيد علي
...................................................
هناك قوى كامنة داخل كل نفسٍ بشريةٍ تصرخُ من صباحِها إلى مسائِها كلَّ لحظةٍ : أنا هاهنا ، أنا هاهنا ، قوةٌ ضاربةٌ ، طاقاتٌ متفجرةٌ ، فهل من مخرجٍ لي ؟ هل من مكتشفٍ لي ؟ أنا حاضرةٌ ، أنا موجودةٌ وبقوةٍ  انتظرُ البَـوْحَ بأسراري ، والتعبيرَ عن خلجاتي .
هذه القوى تُوجَدُ داخلَ كلِ إنسانٍ ،
وغالباً ، بل يقيناً تتصادم  مع قوي العقل الواعي أو  الظاهر وتعش معه في سِباقٍ ما بين الممكن والمستحيل ، فالعقل الواعي يصدر أوامراً ، غالباً ماتكون مخالفةً لقوةِ وجبروتِ وإيجابيةِ القوى الداخلية الكامنة فيصيرُ الإنسانُ في صراعٍ بين ما يمليه ذلك العقل ، وما تريده القوى الكامنة داخله.
ما أعنيه هنا أن بداخلك قوى عظيمةتنتظر ما يُملَى عليها  من العقل الظاهر ، بل تستمد عافيتها من تلك الأوامر المشحونة بالتحديات ، لتبرز مواطنَ قوتها وعنفوانَ شبابِها لتحقيق ما يُـرَى أنه من
المستحيلات ، فالعقل الباطن يتسم بالذكاء الشديد والحكمة المتناهية ، وهو يعمل ليل نهار لا يكِـلُّ ولا يمِـلُّ، فهو في عمـلٍ دائـمٍ لا ينام ، وهو لا يستطيع أن يجادل عقلك الواعي ، بل ينفِّـذ ما يصدره إليه من أوامر.
وهنا وجب عليك عدم تصدير الطاقات السلبية لهذه القوى الكامنة ، فهي ترفض ذلك ، بل تتعارك معه ، وتعش دور المقاتل الشرس ، لأن السلبية لا تعرف إليها سبيلاً ، ولا تمد إليها طريقاً ،ولا تستطيع اختراقها، فهي عاشقـةٌ للإيجابية التي تجلب كل الخير ، وكل النفع للإنسان ولكن تجدها طواعيةً تقوم بما تُمليه أوامر هذا العقل الظاهر الغبي !! .
فـدرِّب عقلك الواعي على توقع الأفضل دائماً بل اجعله يسعى إليه ، حتى إذا ما استقر على هذا الأفضل صدَّره للعقل الباطن الذي يصوغه أفعالاً طيبةً حسنةً ، فإذا فكرت في الخير تدفق إليك ، وإذا فكرت في الشر أتاك الشرُ هرولةً فأنت رهينةُ ما تفكر فيه طوال يومك.
....................
وعليه لابد من أن ننتزعَ من ذواتنا أمرين غاية في الأهمية ويكونا دستورَ حياةٍ لنا نضمنُ بهما ولو مرحلياً التصالح ما بين قوى العقل الظاهر ، والقوى الكامنة داخلنا، بل ويكونا مستجيبين مع متطلبات الصحة العامة أيضا، فيصيرا فرسَيْ رِهانٍ للسكون النفسي ، والانسجام مع مكونات الحياة الصاخبة، ويدعما  الإيجابيةَ لدى الإنسان التي طالما تُغنِينا عن مواصلة المزيد من الجهد والضنى في سبيل تحقيق ما تصبو إليه النفس البشرية ، ألا وهما:
           ( لا أستطيع ... لا أعرف )
فهذان المصطلحان غاية في الأهمية ،  بل قل غاية في الخطورة فهما اللذان يشكلان مدي تعاسة الإنسان في هذه الحياة من مدى سعادته .
فلو صدرت أوامر من عقلك الظاهر إلى القوى الكامنة داخلك " عقلك الباطن "  بعدم القدرة على فعل شيئٍ ما ، فهنا تصدر الأوامر بقوة سلبية  " لا استطيع " فتغير مدارات هذه القوى الكامنة فعلى التوِّ تفقد القدرة على الفعل وتموت الاستطاعة ، مما يضعف الإيجابية ويقوي السلبية لدي هذه الشخصية،  فدوماً راقب أقوالك فلا تقل أبداً " إني سوف أفشل ... سوف أفقد وظيفتي... لا أشفى من مرضي... لا أستطيع كذا أوكذا " فهنا يشرع العقل الباطن على الفور في تحقيق ذلك استجابة لما صدر إليه .
حينها لابد من أخذ زمام المبادرة برفض ما يُمليه هذا العقل الغبي ، ونستبدل تلك الطاقة السلبية بتحدي من نوع فريد مطلقاً قذائف  " أنا أقدر .. أنا أستطيع "  ساعتها تشعرُ أنت بزهوٍ وفخرٍ عظيمين بانتصار قوتِك الأصلية على القوى الدخيلة عليها والتي تكاد تتسبب في دحرها، بل القضاء عليها.
..........................
من منا يمتلك معرفة كل شيي؟! لا أحد بالطبع ، فالذين يعرفون كانوا لا يعرفون قبل أن يعرفوا أليس هذا كذلك؟! ، إذاً من الظلم البيِّن أن تتهم القوى الكامنة داخلك تلك بعدم القدرة على المعرفة ، أو العجز عن مواصلة الانجازات العبقرية بخطىً ثابتة فهى تمتلك ذلك أنَّى احترمتها أنت . 

وهنا أكاد أجزم أن الإنسان بعقله الباطن شبيه تماماً بالريبورت الذي يتلقى أوامره من الرأس المبرمجة وغالباً ما تكون كلها أوامر إيجابية وإلَّا لِما صُمِّمَ هذا الريبورت أصلاً فيصُبَّها أفعالاً مع الفارق طبعاً  ، أردتُ بذلك فقط تقريب الصورة للذهن ، فالعقل الباطن هنا عندما يتلقى أمراً من العقل الظاهر أي الواعي بأنه لا يعرف تجده جباناً سلبياً حاله حال المنافق لرؤسائه في العمل والذي يعلق على كل  أوامرهم دوماً  في خضوعٍ وخنوعٍ 
  " أنا أعرف أكتر من جنابك يافندم " وهكذا حاله ، فعلى الفور يعطي إشارات للخلايا العصبية المتحكمة في الفهم والإدراك والمعرفة أنه لا يعرف فتتعطل كل الحواس المسؤولة عن البناء المعرفي داخلك.
لذا وجب عليك عند صدور أوامر ما سلبية أو إيجابية من عقلك الظاهر فعلي الفور تسارع أنت نفسك باقتحام مجالات عقلك الباطن فتكون حارساً أميناً لها وتساعدها على اتخاذ القول الفصل بأنني امتلك المعرفة حينها تتحرك كل جوارحك طواعيةً تجاه ما تجهله لتعلمه وتتعلمه.

إذاً ، لابد من التحرر من سلبية العقل الواعي إلى إيجابية العقل الباطن.
...................................................
كتب : عبد الناصر سيد علي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الإنسان والوجود بقلم طارق غريب

الإنسان والوجود طارق غريب يكتب : الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بأن يكون موجوداً، بل يتعثر بسؤال الوجود نفسه. الحجر موجود ولا يسأل ،...