تحية عطرة مفعمة بالأمل والتقدم نحو الأهداف السامية
(التنمية المستدامة , جذور إشكاليات وحلول) (المحاضرة 14 )
رماز الأعرج ,
(سديم) المركز الدولي للدراسات الفلسفية ولإنسانية)
الثورات الاجتماعية والتنمية المستدامة
هنا بالتحديد مربط الفرس وهنا يتجلى المفهوم الحقيقي لشروط التنمية المستدامة , وهنا المعيار الحقيقي لكل الحركات الاجتماعي والسياسية والثورية المعاصرة , والمحك الحقيقي ليس لبرامجها بل وسلوكها وفكرها وحقيقة كونها فعلا ثورية أم لا , وليس كل عنف هو ثورة , ولا يشترط العنف الخشن في الثروة والمعيار للثورات مختلف عن المعايير الربحية والتجارية
وهناك الكثرة من النماذج حول العالم و أنظمة أطلقت على نفسها أو أطلق عليها ثورة وهي عبارة عن انقلابات عسكرية ولا علاقة لها بالثورة , للثورة الاجتماعية السياسية الحقيقية مواصفاتها وأحكامها إن لم تتوفر بها فهذه ليس بثورة , وليس كل حركة وحدث أو تغير ما يشكل ثورة .
ومصطلح الثورة مصطلح حمال للأوجه ويستخدم في العلم والسياسة والاقتصاد والشعر والفن وغيره , واجتماعيا وسياسيا هذا المفهوم له معايير معينة بالضرورة وكل ما يخرج عن هذه المعاير له تصنيف آخر ولكن ليس ثورة , وسنوضح ذلك قريبا.
ما زال منتشر وملتبس مفهوم الثورة في الفهم السياسي والاقتصادي , والإيديولوجي والفلسفي وما زال مختلف عليه , ونحن هنا تهمنا الخلاصات وليس متاهات وجهات النظر و الأيديولوجيا السياسية المفرطة في تمجيد الذات ورؤية الأفضلية بها على الآخرين والتعصب الأعمى , نحن في منهجية الشيفرة الكونية لدينا رؤية منطقية معتمد على الواقع المباشر للبحث والمعرفة , ومرجع الحقائق جميعها في عرفنا هو الواقع ذاته وليس النظريات , وأي نظرية لا تنطبق مع الواقع لا علاقة لنا بها كدليل معرفي مهما كانت , بناء على ذلك نقدم رؤيتنا لمفهوم الثورة ,
وحسب المعجم العربي الجامع وجدنا كلمة ثورة كما يلي
* ثورة : اسم
مصدر , ثار : الجمع ثورات
* الثورة : تغير أساسي في الأوضاع السياسية والاجتماعية يقوم به الشعب في دولة ما
* ثورة أهلية : ثورة يقوم بها المدنيون
* ثورة بيضاء , ثورة سلمية : يحقق أغراضها بدون سلاح أو إراقة دماء
* ثورة مسلحة : تعتمد السلاح وسيلة للتغير
* ثورة مضادة : معاكسة , ثورة معاكسة لثورة أخرى
* ثورة المعلومات : التقدم الهائل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات , الذي أعطى قدرة فائقة للحركة المعلوماتية على المستوى العالمي يتجاوز كل حواجز القوميات
هناك الكثير من التصريفات لهذا المصطلح لكن ليس ضرورية في السياق ألان ,
نرى التطابق في القاموس العربي المعاصر وما هو وارد في الفم السياسي والتعريف لمفهوم الثورة تقريبا .
وفي الفهم الفلسفي والعلمي بحسب الشيفرة الكونية الثورة اصطلاح يمكن استخدامه في أي سياق يستوفي شروطه , بدا من العلم والمعرفة ولفكر والفلسفة والفن وغيرها من النشاط الاجتماعي المعرفي وغيره , الثورة تطلق على أي تغير جذري وجوهري في أي مجال كان , وحتى في المهن وغيرها , مثلا في الصيد عند الإنسان القديم, اختراع القوس الناشب احدث ثورة في عالم الصيد الإنسان , وبعد أن كان الصيد عملية معقدة تحتاج إلى جهد جماعي أصبح بإمكان الإنسان منفرد أن يصد ويحصل على أوده , وكذلك الأمر الثورة الزراعية وغيرها الكثير من الاستعمال وهذا دارج ومتاح لغويا ومنطقيا وعلميا .
وفي العلوم والمعرفة وغيرها تشكل هذه الثورات قفزات تقدم نوعية وبدون خسائر , لكونها طبيعية وضرورية وتنفيذها يحقق تقدم مفاجئ وسريع بدون خسائر اجتماعية واقتصادية كبيرة كما يحدث في حالة الثورات الاجتماعية والسياسية بشكل عام .
في المجالات كافة لا يوجد قوى مضادة تمنع التقدم الجديد والتطور الحاصل بل يستفيد الجميع من هذا التغير والجديد الذي ساهم في تطوير المجال الذي وقع به هذا التغير بناء على حاجات وضرورات المجال وطبيعته , وبالعادة لا يوجد قوى معيقة سوى الظروف وتوفر المتطلبات الضرورية المادية والنظرية ويصبح الموضوع في قيد التنفيذ .
ولكن على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي الموضوع ليس بهذه السهولة , وخاصة تغير أساس النظام الاقتصادي الاجتماعي , والبنية الفوقية الاقتصادية الاجتماعية ليس من السهل أن تسمح بالتغير إذا لم يكن يصب في مصلحتها المباشرة , ونظام الملكية وطبيعته من ابرز القضايا التي تواجه إشكالية في تغيرها , مما يستدعي الثورة , والتغير بطرق مختلفة عن المجالات الأخرى كافة , بل يستدعي الأمر تسخير كافة الإمكانيات العلمية والمعرفية ولفكرية وغيرها من اجل عملية التغير .
وتعرف الثورة حسب القاموس السياسي على أنها عمل من أعمال العنف يتخذ صورة نضال مسلح يقوم به جزء من الشعب في وجه نظامهم السياسي , وفي حال توازن قوى بين الطرفين واستمرت الأحداث العنيفة لفترة طويلة يتحول الوضع إلى حرب أهلية .
وتعتبر الثورات ظاهر هامة ومفصلية في التاريخ السياسي البشري , وكثير من الثورات وضعت حجر الأساس لنظام جديد متكامل , وخاصة تلك الثورات التي غيرت من نوعية نظام الملكية وأنشأت نظام جديد وتغيرات تصل إلى نظام الملكية واعتادت توزيعها وهيكلتها , ووضع قوانين جدية للبلاد .
عرف التاريخ البشري السياسي المكتوب الكثير من الثورات السياسية منها الإصلاحية ومنها ما كانت مطالبها التغير الجذري الكامل , وأقدم ثورات سياسية عرفها تاريخ البشرية حتى الآن حسب معرفتنا و علم لآثار كانت في العراق القديم ومصر القديمة , وكلاها كانت ثورات سياسية واضحة الأسباب والظروف , وأسبابها كما غيرها من الثورات السياسية هي الواقع الاقتصادي والظلم والفساد والتفاوت الطبقي بين الناس .
ويشير الدكتور طه بكر المؤرخ الفذ الكبير والمخضرم في كتابه (تاريخ الحضارات القديمة) أن الشعب في لكش القديمة (مدينة عراقية قديمة) ثار على السلطة السياسية الممثلة بملك لكش في حينها .
وبعد مماطلة الملك في المطالب التي قدمها الشعب اشتعلت الثورة واشتدت ووضع الشعب الثائر ملك أو حاكم جديد له , ووضع هذا الأخير أول وثيقة إصلاحية سياسية عرفها التاريخ البشري المكتوب وعرفت بوثيقة (أوركاجينا) وشملت العديد من الإصلاحات السياسة والحقوقية المتقدمة في حينها من ابرز ما جاء فيها
(جئت لأخلص الضعيف من القوي ولن ادع احد ينام وهو جائع)
وابرز ما عالجته الوثيقة
رفع الضرائب عن المواطنين
توفير الخدمات الأساسية
إنهاء التسلط الطبقي واستغلال المناصب الكبيرة
وضع حد للفساد الذي كان منتشرا في أواخر النظام القديم البائد .
وعرف تاريخ العراق الكثير من الإصلاحات السياسية والاقتصادية , وما زال حتى اليوم العراق القديم هو صاحب أقدم قوانين عرفها تاريخ البشرية المكتوب .
ترك لنا علماء الآثار السالفين و المعاصرين ثروات هائلة من الكنوز الأثرية التي بحاجة إلى دراستها وفهمها , فهي حلقة التواصل مع الماضي وفهم الأجيال السالفة وتاريخها وحياتها , ومن ابرز هذا الكنوز تلك القوانين والشرائع القديمة , من (شريعة عشتار لبت إلى شريعة أور نمو وشريعة حمو رابي) , والكثير من الوثائق الطينية الحجرية التي توضح مستوى عالي من التطور الاجتماعي والاقتصادي والحضاري المذهل .
وفي مصر القديمة أيضا عرف تاريخ مصر القديمة ثورة على النظام الاستبدادي الإقطاعي , وكانت ثورة غيرة الكثير في نظام مصر القديمة , ورغم غياب التفاصيل الدقيقة حول الثورة المصرية القديمة هناك الكثير من الدلائل التي تشير لها , وهناك وثيقتين معروفة تشير إلى تلك الثورة, وثيقة بردية (نبوءات الحكيم ايبور) وبردية (نفر روهو)
وهذه الوثيقتين نجد بها وصف لتلك الثورة التي اقترنت بسقوط الدولة القديمة في نهاية عهد الأسرة السادسة في العراق القديم .
عرف تاريخ البشرية السياسي الكثير من الثورات التي لا تعد , وللثورة حيز كبير في صناعة التغير السياسي والاجتماعي عبر التاريخ البشري , واهتم غالبية الفلاسفة والباحثين القدماء بموضوع الثورة وأدركوا دورها في التغير , وتنوعت الثورات منها ما حقق مساره في تاريخه وعصره فقط , ومنها ما أصبح مسار جديد تاريخي للبشرية واندمج مع مسار الحضارة وتقدمها , مثل القوانين الإنسانية والحقوق وحماية الفرد وغيرها , هذه القوانين والشرائع لم تأتي من فراغ , أو من اجل التسلية والتفنن , بل هي نتاج لظروف اقتصادية وسياسية ما , وحين ندرس التاريخ القديم مثلا وسياق الشرائع العراقية القديمة , نكتشف بكل وضوح أن هناك ترابط وتسلسل تاريخي بينها , الأقدم مثلا مثل (قانون عشتار) كانت اقل عدد و تفصيل , وتشير إلى تشريعات محلية ما , بينما في ألاحقة الأحدث (أور نمو) تجدها أكثر شمولية واتساع .
وفي شريعة حمو رابي ألاحقة تطورت الشريعة لتصبح شمولية أكثر ومنظمة وتعالج قضايا هامة في عصرها من ضمنها حقوق الإنسان والمواطنة وغيرها من القوانين والتشريعات التي ما زالت هي ذاتها حتى اليوم بل أحيانا بنفس الصيغة القديمة بعد أن تم ترجمتها .
ونلاحظ أن غالبية هذه الوثائق جاءت على اثر حروب وقلاقل وتغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية , لذلك جاءت هذه الشرائع لوضع حلول لأزمات ما وظروف سياسية كانت تمر بها تلك العصور , وهي في الغالب جاءت بعد صراعات وحروب بين المدن , وكان جلجامش أول ملك يوحد المدن السومرية القديمة ويقيم أول شكل شبه إمبراطوري للحكم , وشريعته والآثار الأخرى تشير إلى ذلك بكل وضوح .
عاشت البشرية عبر التاريخ المكتوب حالة من الصراع المتواصل , والثورة على الظلم والاستغلال قديمة بقدم الاستغلال ذاته , و راكمت البشرية عبر تاريخها الطويل من الصراعات الكثير من الحريات , وكل مرحلة حققت ما استطاعت تحقيقه في عصرها , ومفهوم التنمية المستدامة يشكل امتداد للثورة البشرية منذ تاريخها القديم في السعي إلى استعادت التوازن بين البشر ونظام الحياة والطبيعة والبيئة , وهي ليس ثورة حديثة , بل هي نتاج طبيعي تراكمي لتطور الفكر الثوري و الصراع البشري العنيف من اجل الحياة الأفضل , وفي بدايات القرن الماضي مثلا كان مفهوم الثورة يقتصر على السلطة السياسية وتحسن الوضع المعيشي .
و نلاحظ تطور الأفكار الثورية الداعية للتغير وتلاؤمها مع عصرها وإشكالاته , وفي عصرنا الراهن بعد أن أصبحت قضية البيئة والمناخ والطبيعة تشكل خطر داهم حقيقي نعيشه نحن منذ أكثر من أربعة عقود , ونلاحظ أيضا إجماع شبه كامل من جميع القوى الثورية والمؤسسات الدولية و المدنية والشعبية على أساسيات التنمية المستدامة العامة , وبناء على ذلك صيغت هذه الشروط المدروسة من اجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة , ويجمع اليوم على هذه العناوين غالبية عظمى من القوى والحركات الثورية حول العالم رغم تعدد مشاربها وتناقضها أحيانا , وتجد القومي يتحالف مع الإسلامي والماركسي وغيره تحت هذه الشعرات , ما عدى بعض الجهات المتطرفة والتي لا تدرك حتى حقيقة سلوكها الفعلي , بما تعيشه من انغلاق فكري وسياسي و إيديولوجي , مما جعلها في وضع صعب وحرج سيخرجها من نظام المستقبل المتنامي لانتصار مشروع التنمية المستدامة للبشرية .
أن مفهوم التنمية المستدامة يشكل عقيدة ثورية شمولية عامة لغالبية سكان كوكب الأرض , باستثناء قلة قليلة هم مستفيدين من هذا الواقع وحسب , والجميع متضرر من هذا الظرف الذي لا تحمد عواقبه على الأجيال القادمة التي يتغنى بها ولها كل الأنظمة العالمية المعاصرة الكاذبة والمخادعة , بعد أن تبين أنها فقط ترفع مجرد شعارات لتلهية الناس وإلهائهم دعويا , من خلال الادعاء إنها تعمل جاهدة من اجل إصلاح أو على الأقل وقف التدهور البيئي الذي تسبب به العصر والنظام الاقتصادي والسياسي العالمي المعاصر .
سارت البشرية خلال العقود الأربعة الماضية في طريق حاسم متصاعد من التغير المناخي والتصحر وذوبان الجليد , وأصبح واضح لان أن الدول الصناعية الكبرى هي من يتحمل المسؤولية الأساسية عن هذا التدهور , فهو النظام المركزي للعالم والمقرر في الكثير من القضايا , على رأسها موضوع الطاقة السوداء والتعدين , و النفايات وغيرها , والدول الصغيرة والتابعة ليس بمقدرها تغير النظام العالمي فهي دول تابعة ولا تمتلك القدرة المادية و التقنية ولا الخبرات على المستوى الكافي لتكون مستقلة أو قادرة على توفير البديل .
هذا العجز الرسمي جعل من قضايا التنمية على جدول أعمال كل المؤسسات الثورية حول العالم , من أحزاب وقوى ثورية ومؤسسات متنوعة , وأصبح شعار حماية البيئة والطبيعة هو شعار منتشر على أوسع نطاق , ولكثير من السياسيين والحركات السياسية أصبحت تضيف هذا الشعر إلى شعراتها من أجل الدعاية والحفاظ على توازن في هذه الدعاية , وفي النهاية هي تمارس ما تريد من نشاط ولا يعنيها بشكل جاد هذا الشعار .
أن وصول الأزمة إلى مستويات خطرة قد ساهم في أثارتها , والظروف التي أصبحنا نعيشها مع التغير المناخي ليس سوى البداية وهي تصعيد متواصل منذ أكثر من أربعة عقود , مما جعل القضية تنتقل من قضية نضالية مطلبيه ثانوية إلى الأولوية , بل أصبحت قضية كفاحية وثورية بامتياز , ولا يوجد حزب سياسي واعي وناضج اليوم حول العالم لا يضع هذه القضية من ضمن شعاراته الأساسية العامة .
تحولت قضايا التنمية المستدامة بشكل تلقائي إلى صدارة البرنامج الثوري , وهي بحد ذاتها كمفاهيم أصبحت تشكل ثورة على النظام القديم الذي بات مدمرا للحياة بكاملها , ولم يعد ضرره مقتصر على البشر والاستغلال , بل تدمير الحياة والقضاء على استدامتها , إنها كارثة الربح , الربح لا قانون له سوى الربح ذاته , ولا يرى سوى نفسه , وارتفاع نسبته وتحقيق المزيد من الأرباح هو الغاية الوحيدة , وهذه الغاية بالنسبة له تبرر جميع الوسائل بما فيها تدمير مقدرات الحياة والطبيعة وعدم قدرتها على تجديد ذاتها .
الخلاصة التي نصلها أن التنمية المستدامة أصبحت اليوم قضية إنسانية وثورية كبرى وملحة وبرنامج أساسي للبشرية جمعاء إذا أرادة الاستمرار والبقاء , وسنرى في نهاية هذه الدراسة , واستخلاص النتائج , أن البشرية قادمة على انقراض حتمي إذ استمر الحال على ما هو عليه لقرنين قادمين , هذا ليس خيال أو مبالغة بل هي جدوى ودراسة رقمية علمية واضحة لا تحاج سوى لشيء من الجهد الذهني المبذول لمعرفتها واستخراج نتائجها , وهذا ما قمنا به عمليا في هذا البحث المتواضع للكشف عن أبعاد مفهوم التنمية المستدامة وجذورها العميقة و أبعادها كافة ومسارها مع العصر وتطوراته المتصاعدة مع تصاعد الأزمة .
التنمية المستدامة هي ثورة عالمية على النظام القديم الذي أصبح معيق بوجوده للتنمية والحياة والتوازن الطبيعي , أما عن كيفية ومنهجية هذه الثورة المرصودة في الأفق العالمي المعاصر هذا ما سنأتي عليه في خلاصات الدراسة النهائية والحلول .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق