بسم الله الرحمن الرحيم
ردا على مقال نشر في موقع ( كلنا شركاء في الوطن )
مقال بعنوان : (( هندسة التكوين المجتمعي الانساني ))
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )) 13 الحجرات
في الحقيقة يدهشني البعض عندما يتجاوز المفهوم و المراد الكلي من الآية السابقة فيجعل البشرية تنقسم إلى نوعين من حيث خلق الله لهم : الأول : مجهول النسب منفك عن الروابط الاسرية بعيدا في نمط وأسلوب حياته عن فلك الجماعة والقبيلة وهم الشعوب كما يزعمون والثاني : معروف ومحفوظ النسب وهم القبائل التي تهتم بأنسابها وروابطها وتوثيقها وتفعيلها مصورين بذلك أن روابط الدم والنسب خاصة بالقبيلة فقط
ثم يحزنني التغييب المفتعل لدلالات (( لتعارفوا )) بالجملة وحصرها بمفاهيم ضيقة متعلقة بعوامل النسب وروابط الدم فقط دونما التطرق للوازم هذه المعرفة ومقتضياتها وضوابطها الشرعية والاجتماعية والعلمية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي تخضع للبيئات المرتهنة أصلا لعوامل ومؤثرات يتعرض لها الكيان الاجتماعي القبلي وغير القبلي على حد سواء ( بعيدا عن روابط الدم ) وهذه العوامل والمؤثرات من شأنها أن تؤسس للنظام الاسري والعائلي والقبلي والشعوبي بالشكل الذي يأخذ صورته ضمن المدخلات والمخرجات التراكمية والتي يعتبر رابط الدم احدها وليس كلها وليس أهمها وما نراه أمر أكبر وأعظم وتصور اشمل بكثير مما درجت عليه أفهام البعض من تصورات قاصرة واستشهادات خاطئة حيث أن فهم عوامل تكوين المجتمعات مفهوم دقيق ومبحث علمي كبير خاضت به البشرية كلها ضل به من ضل واهتدى به من اهتدى لذلك كانت الحاجة ضرورية وملحة لإخبار الانسان عن أصل خلقته وبدايته وطريقة تعايشه مع بني جنسه ونظامه المحدد له في الخطاب القرآني وذلك بأنه ولد من ذكر وانثى للدلالة على التزاوج والتكاثر وذلك طبقا لما ورد في كتاب الله وأيضا طبقا للموروثات الثقافية والتراثة الإنسانية وللوثائق والدلائل والآثار والحفريات والتنقيب وماشابه ذلك
فالأصل في البشر أنهم ولدوا من ذكر وأنثى ثم تعاقبت البشرية من نسلهم ومنه فإن البشرية كلها بهذا الشكل تنتسب إلى أباء وأجداد معروفين ومحددين تكاثروا وتناسلوا وتعاقبوا وشكلوا مجتمعاتهم ضمن نظام التعايش الجماعي الذي يظهر ابتداءا في الاسرة ومع ازدياد اعداد الافراد التي تنتمي إلى الاسرة تشكلت العائلة التي بدورها تحولت الى بطون وعشائر وافخاذ ومن ثم مجموعها تحول إلى قبيلة ومع تكرار هذه الحالة جيلا بعد جيل ومع توالد وتزايد الأفراد ضمن هذا التقسيم الفطري الطبيعي أصبحت القبيلة الام تضم عدد كبير من البطون والافخاذ التي بدورها تحولت إلى قبائل لكثرة أفرادها وازدياد اعدادهم ولظهور عوامل أخرى تتعلق بالنواحي السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها وهذه القبيله التي أصبحت بطونها قبائل مستقلة للعوامل السابق ذكرها وضمن هذه المعطيات يطلق عليها اسم شعب فالشعب اسم يدل على صلة النسب البعيد بين عدد كبير من الافراد الذين ينتسبون وينتمون الى قبائل تعود بنسبها وانتمائها إما إلى قبيله واحدة كبرى أو إلى جد واحد جامع ومثال ذلك عندما يقول المؤرخون شعب مضر يراد به كل القبائل المضرية من ولد عدنان وبهذا التصور وضمن هذه المعاني يتضح لنا أن بيان منظومة // هندسة التكوين المجتمعي الانساني // قائم على التعايش الجماعي والباحث في علم الاجتماع وفي مجالات العلوم ذات الصلة والمتتبع لحركة التغيير الاجتماعي يلاحظ عملية التشويه والافساد والعبث التي تمارسها اليد البشرية من خلال الحرب الضروس وبكافة الأسلحة التي قد مورست ضد مفهوم الشعب والقبيلة والعائلة والاسرة حتى تخلت معظم البشرية عن هذا الرابط الاجتماعي الفطروي الطبيعي المقدس ثم خضعت أحيانا إلى حالة إنحلال العقد وإنفراطه ودمار المجتمع وضربه بالصميم وبدأت بذلك المشاكل وحلت الكوارث في كثير من المجتمعات بسبب العبثية تلك والتي اثرت مباشرة على الحالة السياسية والاقتصادية بالذات فضلا عن غيرها
وعندما تصدر أصحاب الفكر والنخب الثقافية لوضع حل لتلك الامة وترتيب المجتمعات البشرية من جديد قالوا عودا على بدء أن الحل هو إنشاء كيانات جماعية وتجميع البشر فيها فطرحوا فكرة الأحزاب والتيارات والحركات والاسر (السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها ) وبهذا هم حاربوا القبيلة بل حاربوا الاسرة التي هي نواة القبيلة والعيش الجماعي والمجتمع واتهموا أفرادها بالعصبية وأنشأوا عوضا عنها الأحزاب التي بنوها أصلا على مبدأ التحزب و التعصب وتحقيق المصلحة
وكان البعض وللأسف من أبناء جلدتنا يساهم في هذه الحرب ضد // هندسة التكوين المجتمعي الانساني // من خلال القول بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أن لا قيمة للنظام الأسري أو العائلي أو القبلي أو حتى الاجتماعي عامة ومخرجاته من حيث التنظيم الهرمي والقيمي والمادي والعلمي والثقافي والذي يخضع فيه الكل لمعايير صارمه ودقيقة ومحدده ابتداءا من الأمير أو الزعيم أو الشيخ أو عميد الاسرة أو الكبير أو الوجيه إلى أصغر أفراد المجتمع في القبيلة مرورا بكل الشرائح المنضوية في هذا المجتمع ضاربين بعرض الحائط الإرث القيمي المهول والذي خضع لكل المقومات الحضارية عبر العصور ضمن الإمكانيات المتاحة آنذاك
والقبيلة تخضع لعوامل النهوض والانحطاط حالهم كحال بقية المجتمعات الأخرى
لكن السؤال المهم هنا :
هل من العقلانية أن يلقى اللوم على // هندسة التكوين المجتمعي الانساني // عندما يتقاعس أفرادها عن حركة النهوض ويتأخر ركبهم الحضاري ؟
أم هل من العقلانية والموضوعية أن تربط // هندسة التكوين المجتمعي الانساني // بشكل بيئة ما ؟
أليس من القصور في التصور والمحاكات والمحاكمات العقلية أن نجعل البيئة الاجتماعية و // هندسة التكوين المجتمعي الانساني // شيئا واحدا
وبالوقت الذي نرى فيه إن حالة البداوة التي تحياها قبيلة ما في بيئات خضعت لعوامل عدة والتي يرى فيها البعض مظاهر التخلف والجهل وحالة من الهمجية فإننا نرى أنه يقابلها حالة من التخلف والجهل المزري والهمجية اللامعقولة يطريقة أو بأخرى تحياها شريحة مدنية ( متحضرة !! ) ما في مجتمع مدني متحضر !!!! إن عوامل النهوض والترقي والتراكم الفكري ترتبط بالنواحي العقلية والعلمية والمعرفية ولا تخضع لروابط الدم أو النسب وأمثلة ذلك جلية واضحة لاسيما في الدول التي تقوم على أساس التجمع والتحالف القبلي الذي أدى الى الاستقرار والازدهار والتحضر المدني وظهور قامات فكرية وعلمية وعقلية قدمت الكثير للحضارة الإنسانية وبكل بساطة ما يزال هؤلاء أبناء قبائل وعوائل واسر وما يزالون يحافظون على روابط الدم النسب ولو اردنا الاستفاضة لقلنا ان اكثر الدول تحضرا واستقرارا في العالم واذكر مثال ( بريطانية السويد اسبانية بلجيكا وغيرها ) تحكمها اسر تنتمي الى قبائل لكن هذا الانتماء لم يكن ابدا عائقا امام الحالة الفكرية والعقلية والعلمية فتأمل
كتبه
راجي عفو ربه
إبراهيم بن عبد العزيز بن رشيد الزعبي
مكة المكرمة
17/04/1443
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق