" الأستاذ د.الأديب و الناقد المتألق // بشار إبراهيم نايف *
في قراءة نقدية تحليلية لقصة " ليلة الغدر "
للأديبة السورية أمل شيخموس
✨
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
#برنامج : #شذرات نقدية
الحلقة العاشرة
إعداد و تقديم : د. بشار ابراهيم نايف
يتمثل البرنامج في اختيار نص قصصي من النصوص التي تنشر في منتدى أجراس الرواية والقصة، وتقدم له قراءة نقدية موجزة، ويترك لأعضاء المنتدى الباقين تقديم آرائهم النقدية المتنوعة، مما سيضفي فائدة كبيرة على كاتب النص وعلى المتلقي، ولا يشترط أن يكون النص هو الأفضل من بين النصوص، وانما يتم الاختيار على النص الذي يثير شره المتلقي ويسيل لعاب قلمه لينتج لنا نقدا جميلا ومفيدا.
ليلة الغدر
أمل شيخموس
قام بخنقها بيديه هاتين في السيارة وعيناهُ تتسعان أكثر فأكثر تبرزان كمقلتي السمك عند خروجه من الماء وهي تستغيث قطرة ماء !! في بروزٍ تام عيناهُ تكادُ تخرجان تقفزان إلى الخارج لو غرزتَ فيهما دبوساً !!! لكم كان سهلاً فقأهما بسلاسةٍ ويسر وكان انفجاراً مدوياً لتلك القنابل النووية الحقد والمكر والغدر !!! ظلَ يقبضُ بكلتا كفيه الغليظتين على العنق الرخيم العاجي كالمرمر " البلور الصافي "، هي تنطفئ تزرق تلهث ويا ليتها. . !! لا أوكسجين تبتلعهُ وتدلفُ به إلى رئتيها، هي التي خطبت لهُ العروس بيديها " ضرة " كي تنجب له ولداً يحملُ ثروتهُ واسمه كما يدعي، واللهُ أعلم إن كان سببُ عدم الإنجاب منها أو منه !!! بيدَ أنَّ التهمةَ أُلصِقَت بها ولم تجد بُداً من تنفيذ الحكم مهما يكن هو ذكر وهي أنثى مهزوزٌ موقفها في المجتمع ، مهما بررت مهما حللت الأشعة والتحاليل الطبية لن تُفيد فقد قُيِّدَت بين فكي القرش "المجتمع " الوحشي الذي لن يرحمها ولو ابتلعت التراب والقهر والزجاج وقامت المعجزات فلن يرحم !!! لن يرحم !!!! اللهُ وحدهُ يعلم هو الشاهد كم تُحِبُهُ وتُخلِصُ لهُ في يوم عرسها كانت تفتنُ الناظرين إليها ، قام بإطفاء بريقها مع المزيد من ظروف الفقر والقهر لم تتعالج عند الأطباء فقد كانت تكافح وتناضل لأجلِ تناولِ كسرةِ خُبزٍ وضمة دفءٍ مع زوجٍ جاف تجدهُ العالم بأكمله رغم ذلك لأنها وحيدة يتيمة لا معيل لها ولا سند ولو كان حولها كلُ البشر فقد تخلوا عنها وتركوها لمصيرها معهُ رغم وجود الأهل ومئات الأجساد من حولها!!! بيد أنَّهُ هو زوجها ومالكُ أمرها في شريعةِ مجتمع "القرش" كانوا يُخرِسونَ محاولاتها في المهد فقط مجرد الترويح عن النفس "فضفضة" إنَّهُ زوجُها وتاجُ رأسها وأن تَعقِلَ وتتكتمَ تَحمَدَ وتَشكُر:
"الزلمة رحمة ولو قطعة فحمة" تتذكرُ هذا المثل الشعبي الدارج وتُرددهُ في باطنها دون أن تنبسَ ببنت شفة ولو كانت على وشَكِ أن تفقأَ مرارتُها من الكبتِ وعدم التعبير مما أدى بها إلى الضغط والكثير من العلل لتحتفظ بذاك التاجِ فوق رأسها رغم حصولها على أعلى الشهادات العلمية بيد أنَّهُ لا تفيد، شهادةُ الذكورة والسَترُ في ظلها هي الأنجع، أينما توجهَ هذا الزوج كانت شهادتهُ معه والألسن تستبقُ فضلهُ وتُقِرُ!!! رغم كل النقص الذي بهِ، كانت هي من يطبطب ويسوغ فقد تعودت على هذا!! برمجها المجتمع "الغدر" بالأنثى!!! وغدت لا شعورياً تقومُ بذلكَ برحابة صدر أو ضيق لا يهم البتة الأهم هو "سي سيد"!!! تهاوت بين قبضتي كفيهِ على الكرسي الجلدي البارد للسيارة وهو في قمة النصر، الليلة زفافهُ والعروسُ البهية بانتظاره، حياة جديدة مليئة بالشهوة والترف والتكاثر!!! هكذا كان يحلم متأكداً من ذلك فتاة جميلة وأوقات سعيدة بعد أن ضحت تلك الحمقاء بصحتها لتجمع لهُ المال وأنفقت عُمُرها تقتصد في سبيل أن تصل مع زوجها لحياةٍ شبه مستقرة مادياً، ذاقت المرار في ظل ذلك الظلم اعتادت ألا تُنفِقَ قِرشاً على صحتها لأن ذلك القِرش يُعادلُ حياتها ودماءها!!!! لم يرحمها أحد لم يساعدها، لشد ما كانت تمشي حافيةً ولا ثمن لحذاءٍ!! تجوعُ وتصمت!!! في خرسٍ تام ودائم لحاجاتها وعواء الفقر كان يُهشمُ آمالها، كافحت كثيراً لِتُهدي هذه الزوجة الجديدة هذا المقعد الوثير والسيارة الفارهة!!! والكفاحُ المستميت بدا خدعة ومصيدة أودت بروحها فقد كانت تسعى طوالَ الوقت لتوفير المال، أي حفرِ قبرِها بيديها هاتين الباردتين إلا من الموت!! كانت قبلها بدافع الغُنجِ والعشم كل برهة تضعُ رأسها على صدرهِ تتحسسُ دعمهُ أدنى تعاطفٍ و حنو، سيتزوجُ الليلة بيد أنَّهُ لن يؤذيها سيحافِظُ عليها كعينيهِ هاتين اللتين قبل قليل كادتا تقفزا من محجرهما وهو ينالُ من روحها!!! زوجة جديدة وحياة مديدة بالذرية الصالحة دون أن يضطرَ لإطعامها!!! ما جدوى بقائها أدوية ارتفاع الضغط باهظة الثمن وهو مقبل على الجديد!! سَيُطعِمُ صغارهُ حبات الشوكولاتة بدلاً من تلك المصاريف المهدورة على امرأة عالة حتماً لن يسمحَ لها بعرقلتهِ!! رفاهٌ وبنين ولا مكان لها بينهم!!! غرض زائد لا يلزمهُ تخلصَ منها في ليلة الغدر !!!! فرحة العمر !!!! كم كانت تستجدي حنانهُ، عطفهُ، بقلبها الرحيم وأنوثتها الطاغية كانت عصفورة بريئة تُنقِبُ عن كسرةِ حب، قطرةِ دعمٍ، نُتفةِ أمان، كلمةِ مواساة لن أتخلى عنكِ!!! كان الجوابُ صادماً زهقُ روحها الصفعة الأخيرة الأوجع!!! وهي بين الفينة والأخرى تَتَحَسَسُ دِفئَهُ تستجديهِ تندسُ في صدرهِ!!! فقد كانت تُقاسي اليُتم وفَقدَ السند تخشى ذلك وهو عدم الستر إلا أنَّهُ سترها إلى الأبد بحفنةِ ترابٍ جاف سترت جسدها في مترٍ أو مترٍ ونصف تحت الأرض في باطن الحب حيثُ الأمان مع الله وحدهُ لا مع البشر.. الغدر !!!! ليلة العُمر!!! لا نشيج ولا شكية!!! إنَّما زغاريدٌ!!! زغاريد!!!! والفرحة تزيد!!!
التحليل النقدي:
استخدمت القاصة شيخموس البناء الدائري في كتابة قصتها ليلة الغدر، والبناء الدائري هو أحد الأبنية الستة التي يعتمد عليها كتّاب القصة أو الرواية في بناء قصصهم زمنيا، وهذه الأبنية هي: (البناء المتتابع، البناء المتداخل، البناء المتوازي، البناء المكرر، التضمين، البناء الدائري)، ومفهوم البناء الدائري هو البناء الذي يبدأ فيه الكاتب قصته من النهاية ثم يعود الى بداية الأحداث ويستمر معها الى النهاية مرة أخرى، وهذا ما فعلته أمل شيخموس إذ بدأت من النهاية من مشهد قتل الزوج لزوجته عندما قام بخنقها، دون أن تذكر لنا لماذا ارتكبت هذه الجريمة وتركت دلالتها تستكشف من خلال سياق القصة وأحداثها فيما بعد، وهذا جزء من التشويق الذي مارسته كاتبة القصة حيث وضعت أمامه علامات استفهام كثيرة تلاشت معظمها أمام متن مفسر لكل أحداثها، وهكذا تعود كاتبتنا في السطر الخامس الى بداية الأحداث بطريقة سلسة لا تشعرنا بها، (هي التي خطبت لهُ العروس بيديها " ضرة " كي تنجب له ولداً)، وهذا يدل على قدرتها الكبيرة في الكتابة وتمكنها من النص، مستخدمة الضمير(هي)، واسم الموصول(التي) وهما من المعارف، لتعطينا دلالة على أن ما جرى كان مؤكدا لا يختلف عليه أثنان، وكأنه الضريبة التي على المرأة العاقر أن تدفعها، كي تحافظ على بيتها، وزوجها، واستخدام القاصة للتعريف يبدأ مع عنوان القصة (ليلة الغدر) فقد تعمدت أن تعرف تلك الليلة لتضفي عليها حالة من التضخيم والتهويل بسبب ما جرى، وعموما تقوم الرواية على ثنائية (الرجل ـــ المرأة)، الرجل بكل ظلمه وجبروته، والمرأة بكل ضعفها وتضحياتها، والكاتبة تعالج حالة اجتماعية كانت وما زالت تلقي باللوم على المرأة في حالة عدم الانجاب دون أن تجعل لها نسبة حتى لو كانت ضئيلة في أن يكون الرجل هو السبب الرئيس في ذلك، ولكي تستقيم هذه الثنائية أضفت شيخموس عددا من الصفات التي تدل على الرجل الظالم في مجتمع ذكوري أسمته مجتمع القرش(كفان غليظتان، عينان تتسعان أكثر فأكثر، تبرزان كمقلتي السمك عند خروجه من الماء، تكادُ تخرجان تقفزان إلى الخارج، يحمل قنابل نووية من الحقد والمكر والغدر، مالك أمر الزوجة، تاج رأسها) بينما تقف المرأة في الجهة الثانية من المعادلة، المرأة الضعيفة بصفاتها (قلب رحيم، وأنوثة طاغية، عصفورة بريئة، مهزوزٌ موقفها في المجتمع، لن يرحمها الرجل ولو ابتلعت التراب والقهر والزجاج، الحب، الإخلاص، التضحية بصحتها كيف تحافظ على مال زوجها، تحمل الفقر والقهر، ذاقت المرار، عاشت حياة صعبة لتسعد زوجها، عليها أن تحمد ربها وتشكره على نعمة الزوج، وأن تطيعه في كل ما يأمر به)، ولكي تضفي تشويقا أكثر للنص جاءت بمفارقة تدعم بها رأيها، فهي تصف المرأة بأنها تملك أعلى الشهادات العلمية، ومع هذا، شهاداتها لا تعادل شهادة الرجولة، إذ يكفي الرجل أنه رجل لكي تعلو هامته ويفرض سيطرته. مفارقة أخرى وضعتها الكاتبة من خلال تشكيل موقفين متضادين، ففي لحظة قيام القاتل بجريمته، كان يحلم بليلة زواجه، والمرأة الجميلة التي بانتظاره، والولد الذي سيحمل اسمه.
وأخيرا تأتي نهاية القصة بالسبب الذي من أجله ارتكب الرجل جريمته، أراد أن يعيش حياة جديدة مع امرأة أخرى جميلة تنجب له الذرية الصالحة، ووجود زوجته القديمة ستكون عالة عليه وستكلفه مالا ينفقه عليها وعلى علاجها، وفي الوقت الذي كانت تتمنى فيه دفء حنانه وتبحث عن الستر معه راضية أن تكون ضرة، قتلها، وسترها الى الأبد بحفنة تراب.
هكذا تعود القاصة الى نهاية القصة مرة أخرى لتكمل لنا مشهد الغدر وجريمة القتل التي ارتكبها الزوج بحق زوجته، وبيان سبب الجريمة، وهذه سمة البناء الدائري، إذ إن القارئ يظن في بداية القصة أنها انتهت، فإذا به تعود به الى البداية الحقيقية للقصة، ومن خلالها تتم الإجابة على أسئلة المتلقي (لماذا حصلت هذه الأحداث؟)، حتى تنتهي القصة بما بدأت به القاصة قصتها. انتهت القصة بمفارقة أخرى تسمى في النقد مفارقة السخرية والتهكم، فالكاتبة أرادت أن تعزز فكرتها من خلال الجمل الأخيرة في القصة والتي تنتقد من خلالها المجتمع، (لا نشيج ولا شكية!!! إنَّما زغاريدٌ!!! زغاريد!!!! والفرحة تزيد!!!).
صفة أخرى يحملها هذا النوع من الأبنية أنه يتواشج مع البناء المتداخل (باسترجاعاته واستباقاته) مما يضفي على القصة مزيدا من التشويق وهو ما قامت به أمل شيخموس في قصتها (ليلة الغدر)، وسأترك للمتلقي اكتشاف العلاقات التي جاءت بها القاصة من خلال الأحداث التي حصلت والأفعال التي استخدمتها في تشكيل قصتها فضلا عن الأساليب اللغوية الأخرى، كالنفي والاستفهام وغيرها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق