قرأت لكم
من التّراث العربيّ (شعراء قتلهم شِعرُهم)
الكميت بن زيد قتيل حب آل البيت
ليس حبّ آل البيت ومدحهم بالأمر المستهجن عند المسلمين، خاصّة إن كان الشّاعر موزون القول، غير مغال فيهم، ولا يخرج عن حدود المقبول أدباً وشرعاً، ولكن الكميت الذي اشتهر بمجموعة من القصائد عرفت بالهاشميّات كان يحيا في عصر صعب، فقد كان مدحه لآل البيت لا يعني إلا عداء البيت الأموي، الذي اشتدّ في تتبّع شيعة الهاشميّين والقضاء عليهم، تحسّباً لثورتهم ضدّ دولتهم، ولم يكن الكميت يخفي آراءه السّياسيّة، ففي قصيدته الشّهيرة التي مطلعها: طربت وما شوقاً إلى البِيض أطرب يقول:
وقالوا ورثناها أبانا وأمّنا... وما ورّثتهم ذاك أمّ ولا أب
يرون لهم فضلاً على النّاس واجباً... سفاهاً وحقّ الهاشميّين أوجب
وفي أخرى يقول:
بل هواي الذي أجنّ وأبدي ...لبني هاشم فروع الأنام
للقريبين من ندى والبعيدين ... من الجور في عرى الأحكام
والمصيبين باب ما أخطأ النّاس... ومرسى قواعد الإسلام
وهم الآخذون من ثقة الأمر... بتقواهم عرى لا انفصام
ساسة لا كمن يرى رعيّة... النّاس سواء أو رعيّة الأنعام
لا كعبد المليك أو كوليد ...أو سليمان بعد أو كهشام
ورغم أنّ الكميت كان يعرّض نفسه للمهالك بمثل هذه الأبيات إلّا أنّه لم يكن يقول الشّعر إلا في آل البيت، ولم يكن يقبل منهم عطاياهم، فعندما أرسل له أبوجعفر محمّد بن الحسين ألف دينار وكسوة هديّة، ردّهم قائلاً (والله ما أحببتكم للدّنيا ولو أردت الدّنيا لأتيت من هي في يديه (يعني بني أمية)، ولكنّني أحببتكم للآخرة.
وعندما أهداه عبد الله بن الحسن ضيعة قيمتها أربعة آلاف دينار رفض قبولها، وردّ إليه صكّها قائلاً (بأبى أنت وأمّي إنّي كنت أقول الشّعر في غيركم أريد بذلك المال والدّنيا، ولا والله ما قلت فيكم إلا لله، وما كنت لآخذ لي شيئاً جعلته لله مالاً ولا ثمناً.
وربّما كانت منزلة الكميت في قومه "مضر" تسبغ عليه قدراً من الحماية، ولكنّ خالد القسري حاكم العراق أراد الانتقام منه، فسرّب إلى جواري الخليفة هشام بن عبد الملك قصائد الهاشميّات، فلمّا سمع هشام هذه القصائد، وعلم أن الكميت قائلها أمر بقتله، فبعث خالد إلى قوم الكميت، واعتذر إليهم، وأراهم كتاب هشام بقتله، ولكنّ الكميت هرب، ثمّ احتال إلى أن وصل لهشام فاعتذر له، فعفا عنه، ورغم ذلك فلم ينج الكميت، وقُتِلَ على يد بعض الجند المجهولين المتعصّبين ضدّ الشيعة، دون أمر من أحد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق