الاثنين، 23 مايو 2022

مدينة البتراء الأثرية الأردنية

 ألن يعود زمن البتراء ؟ 


- هل يمكن للفيزياء أن تنجح بإعادتنا للوراء لنرى كيف كان يعيش أجدادنا الأنباط في بترا ؟ 

إنه الحارث الرابع يجلس بجانب زوجته شقيلة على تلة مرتفعة وينظرون بعين النسر إلى حال مدينتهم ويستذكرون الأيام الماضية حيث أطياف عبادة الأول ورب ايل الأول والحارث الثاني وآخرين ترفرف من أمام ناظريهم .


- أدرك الحارث الرابع إن الإنجازات العظيمة التي قدمها سواء على الصعيد السياسي العسكري أو على الصعيد المعماري والفني ما كانت لتحدث لولا جهود الملوك السابقين له والذين أوجدوا بترا من الأساس ووسعوا حدودها وبسطوا السيطرة على أقاليم متعددة .. لكن التاريخ في النهاية يذكر الحارث الرابع أكثر من غيره .


- رائحة البخور تفوح من أروقة المعابد النبطية وكل هذه المعابد تشدو ألحان دينية وتصدح كلها في وقت واحد فتصاب بالرهبة والخشوع .. والكهنة يجولون ويتحركون بين ردهات المعابد وهم يطلبون من الإله الواحد ذو الشرى أن يحمي مدينتهم . 


- أصوات أقدام الجمال وهي تسير ضمن منظومة القافلة لهي اجمل الأصوات فهذه الجمال هي سر بترا وشيفرتها التي جعلت منها أغنى مدن العالم القديم فهي عصب التجارة وأساسها .. يتهافت الناس على واردات التجارة فيشترون ويبيعون ويساومون .. فقد كانوا يظنوا أن الأنباط مجرد تجار يحبون الكسب والمال وحياتهم تخلو من أي قيمة روحانية ولكن نسفت هذه النظرية فمعبد قصر البنت ومعبد الأسود المجنحة والمعبد الكبير في بترا ومعابد خربة التنور والذريح شمالا من وادي موسى ومعبد وادي رم والمعبد الكبير في عبدة الفلسطينية كلها تتكاتف لتكون الجسد الديني الذي يسمو بروح الأنباط .


- حتى النساء كن يشترين ويبعن ويتملكن الأراضي ويبنين المقابر وينقشن أسمائهن ويحكمن بجانب أزواجهن بل وتصك صورهم بجانب أزواجهن على العملات النقدية فلم يكن قطاع التجارة والإقتصاد ملكا للرجل وحده .. ولا ننسى أصوات النبطيات وهن يعزفن على الآلات الموسيقية داخل ردهات المعابد طالبين من الإله الأكبر أن يسقيهم المياه فتمتلىء الخزانات والأحواض والآبار وتنساب المياه داخل القنوات الفخارية والرصاصية فهذه المياه هي كوثر الحياة .


- لم يكترث الأنباط بتهديدات الإغريق والمكابيين (كما ينقل التاريخ تسميتهم) والرومان من بعدهم فهم يعلمون أن مدينتهم مخفية بين الجبال تماما كالفردوس المخبىء في أعالي السماء ويدركون أن ثروتهم الكبيرة من الأفضل لو تنفق في تشييد المباني والمعالم والأسواق والحدائق والبرك والحمامات والأعمدة وأقواس النصر والمعابد ولكن القدر لم يحالف الأنباط فإمبراطور روما تراجان أصر على إنهاء استقلال بترا عام ١٠٦ ميلادية .


- روح ايزيس المصرية تفوح من جدران الخزنة وأفيال الهند تجشو على قمم المعبد الكبير ومنحوتات الدرج الآشورية تعانق الريح العاتية وأوراق الأكانثوس وأكواز الصنوبر وعناقيد العنب تمتص الحضارة من ثرى الأعمدة الكورنثية مناظرة لعظمة أي مدينة رومانية تحاول أن تنافس بترا النبطية .. هنا يأتي الجميع متكبرين فيرجعوا خانعين من قدسية المكان وسرمدية الزمان . 


- رب ايل الثاني وهو آخر ملوك الأنباط يبكي ويصرخ ومملكته تفقد استقلالها وهو كان يدعو ذو الشرى أن لا يبقيه حيا ليرى نهاية الألق البتراوي .. كان يتمنى لو أن أجداده الملوك من الحارث وعبادة ومالك  بجانبه ليدعموه أو أن والدته شقيلة كانت بجانبه ولم تمت او حتى الوزير عنيشو المحنك كان هنا فقد كان يظن أن وجودهم ما كان ليمنع الأعمدة النبطية الشامخة من ان تسقط وتنهار أمام غربان العالم .


- ذو الشرى اغتيل واغتيلت معه اللات والعزى والكتبى وتايكه ومناة وتغيرت صورهم لتصبح المسيحية هي الصورة الجديدة السائدة في بترا وتشيد الكنائس الثلاث على ربوة مرتفعة وترصف بالفسيفساء أرضياتها وتتلى التراتيل الكنسية وينسى الانباط أنهم كانوا يوما موحدين قبل أن تحل المسيحية في عقولهم . 


- كان الأمل الآن مفقودا فبالرغم من الإستمرارية لكن التألق الحضاري لم يعد كما كان .. الأيام الخوالي تبخرت والليالي الغناء اضمحلت وانتقل تاج المجد مع القوافل من بترا إلى تدمر لتكون وريثتها وخليفتها ولتكبر وتشيب هي الأخرى فيما بعد .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

بحرٌ غشاهُ الموجُ في زَيفِ الزمنْ بقلم منى إلبروس

بحرٌ غشاهُ الموجُ في زَيفِ الزمنْ والنورسُ المسكينُ يبني بالوكنْ هوجاءُ ريحٍ باغتتْ أوطانه لكنّها ما استسلمَتْ عند المِحنْ عينٌ على...